لماذا نحصي الضحايا ولا ندرس الأسباب؟
المحامي د. أنور أبو عيد
في كل يوم تقريباً نسمع عن جريمة جديدة: أب يقتل أبناءه، زوج يقتل زوجته، شاب ينهي حياة آخر بسبب خلاف عابر، أو مدمن يرتكب جريمة تحت تأثير المخدرات. نقرأ الخبر، نتابع تفاصيله، ثم يُغلق الملف بعد صدور الحكم، لكن يبقى السؤال الأهم غائباً: لماذا وقعت الجريمة أصلاً؟ نحن نجيد إحصاء الجرائم وعدّ الضحايا، لكننا لا نولي الاهتمام الكافي لدراسة الأسباب والدوافع التي تقف خلفها. فالجريمة لا تبدأ لحظة إطلاق النار أو توجيه الطعنة، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات أحياناً؛ من خلل تربوي، أو عنف أسري، أو إدمان، أو أزمة نفسية، أو تفكك اجتماعي، أو ثقافة عنف تُترك دون معالجة حتى تتحول إلى مأساة. ومن خلال تجربتي الطويلة في القضاء والمحاماة، أدركت أن العقوبة وحدها ــ مهما بلغت من الشدة ــ تأتي بعد وقوع الكارثة، أما النجاح الحقيقي فيكمن في منع الجريمة قبل وقوعها. لذلك نحن بحاجة إلى مشروع وطني متكامل لدراسة الظاهرة الإجرامية، تشارك فيه المحاكم والجامعات والأجهزة الأمنية وخبراء علم النفس والاجتماع والتربية، بهدف فهم أسباب الجريمة ووضع الحلول الوقائية لها. كما أننا بحاجة إلى تعزيز الثقافة القانونية والاجتماعية في المدارس والجامعات، وترسيخ قيم الحوار والتسامح واحترام القانون وحرمة الدماء، والتحذير من مخاطر المخدرات والعنف والسلاح.
إن حماية المجتمع ليست مسؤولية القضاء وحده، ولا مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل مسؤولية وطن بأكمله. ويبقى السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس كم جريمة وقعت هذا العام؟ بل كم جريمة كان يمكن أن نمنعها لو أننا فهمنا أسبابها قبل أن تقع؟ فحين نبدأ بالإجابة عن هذا السؤال، نكون قد بدأنا فعلاً طريق بناء مجتمع أكثر أمناً وعدالة وإنسانية.
المحامي د. أنور أبو عيد
محامٍ ومستشار-قاضٍ متقاعد -كاتب وباحث قانوني .عضو الأكاديمية الدولية العربية للسلام وحقوق الإنسان - محاضر غير متفرغ بالقانون الجنائي - عضو جمعية (MENA Rights Group) المنظمة القانونية للدفاع عن حقوق الإنسان -عضو جمعية الخدمة الدولية لحقوق الإنسان (ISHR) - عضو منظمة السلام والثقافة الدولية .