المرصد العمّالي: مؤشرات الفقر والبطالة وتآكل الأجور ترجّح ارتفاع عمالة الأطفال
حذّر المرصد العمّالي الأردني من أن مؤشرات اقتصادية واجتماعية متراكمة شهدها الأردن خلال السنوات الأخيرة ترجّح ارتفاع عمالة الأطفال بشكل ملموس مقارنة بالمستويات التي رصدتها آخر مسح ميداني شاملة أُجريت عام 2016، مؤكداً أن استمرار الاعتماد على بيانات مضى عليها نحو عقد كامل يضعف القدرة على فهم الحجم الحقيقي للظاهرة، ويحدّ من فاعلية السياسات والبرامج الموجّهة لمعالجتها
وأوضح المرصد، في تقرير بحثي أصدره بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال، أن آخر دراسة وطنية قدّرت عدد الأطفال العاملين في الأردن بنحو 75 ألف طفل، من بينهم نحو 45 ألف طفل يعملون في أعمال مصنّفة على أنها خطرة. إلا أن الأردن لم يُجرِ منذ ذلك الحين أي مسح وطني جديد يتيح قياس حجم الظاهرة واتجاهاتها في ضوء التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد.
وأكد المرصد أن عمالة الأطفال لا يمكن التعامل معها باعتبارها مخالفة قانونية أو رقابية فقط، بل يجب النظر إليها بوصفها انعكاساً مباشراً لأزمات أعمق تتعلق بالفقر، وضعف الأجور، وهشاشة الحماية الاجتماعية، واتساع الاقتصاد غير المنظم.
وقال المرصد إن الطفل العامل لا يكشف فقط عن انتهاك لحقوق الطفل، بل يكشف أيضاً عن أسرة تعاني ضغوطاً معيشية متزايدة، وسوق عمل لا يوفر دخلاً كافياً للبالغين، ومنظومة حماية اجتماعية لا تزال غير قادرة على الوصول إلى جميع الفئات المحتاجة.
وأشار التقرير إلى أن السنوات التي تلت مسح عام 2016 شهدت أزمات متلاحقة، من أبرزها تداعيات جائحة كورونا، وموجات التضخم وارتفاع الأسعار، واستمرار معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة، وارتفاع معدلات الفقر، وتراجع القوة الشرائية نتيجة تدني الأجور، إضافة إلى التأثيرات غير المباشرة للتطورات الإقليمية المتسارعة، وبخاصة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من تباطؤ في بعض الأنشطة الاقتصادية والتجارية والسياحية، وارتفاعات متتالية في أسعار بعض السلع والخدمات والمحروقات.
وبيّن المرصد أن هذه التطورات زادت الضغوط المعيشية على الأسر، ولا سيما الأسر منخفضة الدخل، ودفعت بعضها إلى تبنّي استراتيجيات قاسية للتكيّف مع الظروف الاقتصادية، من بينها إشراك الأطفال في العمل للمساهمة في توفير دخل إضافي للأسرة.
ولفت التقرير إلى أن تنامي ظاهرة "الأسر العاملة الفقيرة” يمثل أحد أبرز العوامل المفسّرة لاستمرار عمالة الأطفال، إذ لم يعد وجود أفراد عاملين داخل الأسرة كافياً للخروج من دائرة الفقر أو تأمين مستوى معيشة لائق، في ظل اتساع الفجوة بين الأجور وكلف المعيشة.
وأضاف المرصد أن الجزء الأكبر من عمالة الأطفال يتركز في أنشطة الاقتصاد غير المنظم، مثل الزراعة، والورش الصغيرة، والمحال العائلية، والبيع المتجول، وهي قطاعات تتسم بضعف الرقابة وغياب الحماية الاجتماعية، ما يجعل اكتشاف الأطفال العاملين فيها أكثر صعوبة، ويجعلهم أكثر عرضة للاستغلال والمخاطر.
وأشار التقرير إلى أن دراسات ميدانية حديثة استند إليها المرصد أظهرت استمرار تشغيل الأطفال في القطاع الزراعي، وانخراط أعداد منهم في أعمال مرهقة وخطرة، تشمل الحصاد اليدوي الشاق، واستخدام أدوات حادة، والعمل في ظروف مناخية قاسية، إلى جانب غياب فترات الراحة المنتظمة لدى العديد منهم.
وأكد المرصد أن استمرار عمالة الأطفال لعقود طويلة، رغم تعدد الاستراتيجيات والخطط الوطنية، يدل على أن المشكلة لا تكمن أساساً في نقص التشريعات، بل في استمرار إنتاج الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الأطفال إلى سوق العمل.
وشدد المرصد على أن الحد من عمالة الأطفال يتطلب الانتقال من المقاربة الرقابية الضيقة إلى مقاربة تنموية شاملة، تعالج الفقر، والعمالة الفقيرة، والهشاشة الاقتصادية، وتعمل على رفع الأجور، وتطوير التعليم، وتوسيع الحماية الاجتماعية، والحد من اتساع الاقتصاد غير المنظم، بالتوازي مع تعزيز قدرات وزارة العمل الرقابية والتفتيشية.
ودعا المرصد في ختام تقريره إلى تنفيذ مسح وطني جديد لعمالة الأطفال بصورة عاجلة، بما يوفر بيانات حديثة ودقيقة تساعد على فهم الحجم الفعلي للظاهرة واتجاهاتها، ووضع سياسات أكثر فاعلية لحماية الأطفال ومنع دفعهم إلى سوق العمل.