أسطورة الكرسي الذي ابتلع المدينة
ماذا لو كان مصير مدينة كاملة يتغير بسبب كرسي واحد؟ سؤال يبدو أقرب إلى الأساطير لكنه في "مدينة الملاولين” تحول إلى حكاية تتناقلها الألسن جيلاً بعد جيل. لم يكن ذلك الكرسي مصنوعاً من الذهب ولا مرصعاً بالجواهر ومع ذلك امتلك قدرة غريبة على جذب الأنظار وإشعال الطموحات وإثارة الصراعات. ومع مرور الزمن لم يعد مجرد مقعد في قاعة المجلس المحلي بل أصبح رمزاً تدور حوله الوعود والخلافات حتى بدا وكأنه ابتلع المدينة بأكملها.
يقول أهل المدينة إن الاهتمام بذلك الكرسي تجاوز الاهتمام بالمؤسسات التي يفترض أن تخدم الناس فطغى الحديث عنه على قضايا التنمية والإصلاح والخدمات. ومن هنا بدأت الأسطورة؛ أسطورة كرسي لم يبتلع المدينة بقوة سحرية بل لأن الجميع انشغل به أكثر مما انشغل بمستقبلها.
وتروي حكايات الأهالي أن من يجلس على ذلك الكرسي سرعان ما يستسلم لشعور متزايد بالأهمية فيتصرف وكأن المنصب يمنحه صلاحيات تتجاوز حدود القانون والمسؤولية. وهكذا تحول الكرسي إلى رمز تُعلَّق عليه الآمال والصراعات بينما تراجع الاهتمام بخدمة المدينة وسكانها.
ومع تزايد تساؤلات المواطنين حول أسباب التعثر في بعض الملفات ظلت الإجابات محدودة بينما استحوذت المظاهر الإعلامية والخطابات الاحتفالية على المشهد على حساب الإصلاح والشفافية وتطوير الأداء. وبدا وكأن قيمة المنصب أصبحت أهم من كفاءة المؤسسات.
ويرى مراقبون أن المشكلة لم تكن في الكرسي نفسه بل في تقديسه ومنحه مكانة تفوق مكانة المؤسسات والقوانين. فكلما اشتد التنافس عليه انصرف الاهتمام عن الأهداف العامة وتقدم السعي إلى الشعبية والظهور الإعلامي على خدمة المواطنين.
وفي كل موسم انتخابي كانت الوعود تتكرر بينما بقي السؤال الجوهري قائماً: هل الغاية خدمة المدينة أم الظفر بالموقع؟ ومع استمرار التنافس على المناصب بدا وكأن المنصب أصبح غاية لا وسيلة.
ومع مرور السنوات برزت حقيقة واضحة: المناصب ليست المشكلة والكرسي لا يبني مدينة ولا يصنع الشرعية وحده. فالشرعية تنبع من احترام القانون والثقة تُكتسب بالإنجاز أما المناصب فليست سوى أدوات لخدمة الناس وتمكين المؤسسات من أداء دورها.
وفي نهاية المطاف بقي الكرسي في مكانه شاهداً على تعاقب المسؤولين وتبدل الوجوه بينما رسخت المدينة في وجدان أبنائها حقيقة لا تقبل الجدل: أن المؤسسات أقوى من الأشخاص وأن القانون أبقى من أي منصب مهما علا شأنه. فالكرسي يمر من يد إلى أخرى أما المؤسسة الرشيدة فتظل الحارس الحقيقي للمصلحة العامة والقانون العادل يبقى المرجع الذي يحفظ الحقوق ويصون الثقة ويضمن الاستمرار. وحين تُقدَّم المناصب على المبادئ تضعف المدن وتتراجع أما حين تتقدم المؤسسات وتعلو سيادة القانون فإن المجتمعات تبني مستقبلها بثبات وتترك إرثاً لا تهزه المصالح العابرة ولا تمحوه الأيام.