رئيس جامعة جدارا يكتب: حين يتحدث الوطن بلغة التاريخ والمستقبل
بقلم الأستاذ الدكتور حابس الزبون
ليست كل المناسبات الوطنية سواء، فثمة محطات تتجاوز حدود الاحتفال إلى مساحة أعمق من التأمل في معنى الوطن، وفي سر العلاقة المتجذرة بين الأرض والإنسان والقيادة. ومن هذا المقام تبرز ذكرى الثورة العربية الكبرى، ويوم الجيش، وعيد الجلوس الملكي، بوصفها ثلاثية وطنية متكاملة تروي للأجيال حكاية الأردن منذ ولادة الفكرة وحتى اكتمال ملامح الدولة الحديثة.
فعندما انطلقت الثورة العربية الكبرى لم تكن حدثًا عابرًا في سجل التاريخ، بل كانت إعلانًا عن ميلاد مرحلة جديدة في الوعي العربي، عنوانها الحرية والكرامة وحق الشعوب في صناعة مستقبلها. ومن رحم تلك الثورة تشكلت ملامح المشروع الهاشمي الذي آمن بالإنسان قبل المكان، وببناء الدولة قبل مظاهرها، وبترسيخ القيم قبل الشعارات.
وعلى أرض الأردن وجدت تلك المبادئ موطنها الطبيعي، فكانت الدولة التي نشأت على الحكمة لا على المغامرة، وعلى الاعتدال لا على التطرف، وعلى البناء المتدرج لا على القفز في المجهول. ولهذا لم يكن الأردن في يوم من الأيام مجرد مساحة جغرافية، بل فكرة وطنية متكاملة استطاعت أن تحافظ على توازنها وسط عواصف المنطقة وتحولاتها المتسارعة.
وفي مسيرة بناء الدولة، كان الجيش العربي الأردني حاضرًا بوصفه أحد أهم أعمدة الهوية الوطنية. فهو ليس مجرد مؤسسة تحمل السلاح، بل جزء أصيل من الذاكرة الأردنية ومن وجدان الأردنيين. ففي كل مرحلة من مراحل الوطن، كان الجندي الأردني يكتب فصولًا من الوفاء والانتماء، ويؤكد أن حماية الوطن ليست واجبًا وظيفيًا فحسب، بل رسالة شرف تتوارثها الأجيال.
ولعل ما يميز التجربة الأردنية أن قوة الدولة لم تُقاس يومًا بحجم مواردها، بل بقدرتها على صناعة الاستقرار وترسيخ الثقة بين القيادة والشعب. ومن هنا جاءت مسيرة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم امتدادًا طبيعيًا للرؤية الهاشمية التي جعلت من الأردن نموذجًا للدولة التي تجمع بين الأصالة والتحديث، وبين الثبات على المبادئ والانفتاح على المستقبل.
لقد استطاع جلالته أن يعزز مكانة الأردن على المستويين الإقليمي والدولي، فكان صوتًا للحكمة في زمن الأزمات، ومدافعًا صلبًا عن القضايا العربية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وحاملًا لرسالة السلام القائمة على العدالة واحترام الكرامة الإنسانية. ولم يكن الحضور الأردني في المحافل الدولية حضورًا بروتوكوليًا أو شكليًا، بل حضور دولة تحظى بالاحترام لما تمتلكه من مصداقية واتزان ووضوح في المواقف.
وإذا كان الحاضر الأردني يبعث على الفخر، فإن المستقبل يبعث على الاطمئنان، لأن الأردن يملك جيلًا من القيادات الشابة التي تستعد لحمل الأمانة ومواصلة المسيرة. ويأتي سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد المعظم، بوصفه نموذجًا لهذا الامتداد الوطني الواعي، القريب من نبض الشباب وتطلعاتهم، والمؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان الأردني وقدرته على الإبداع والإنجاز والمنافسة.
إن المتابع لمسيرة سموه يدرك حجم الاهتمام الذي يوليه لتمكين الشباب وتعزيز مشاركتهم في مختلف مجالات التنمية، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا للتحولات التي يشهدها العالم، وإيمانًا بأن بناء المستقبل يبدأ بإعداد أجياله وتمكينها من أدوات المعرفة والعمل والإنتاج.
وفي هذه المناسبات الوطنية المجيدة، ندرك أن مسؤولية الحفاظ على الوطن لا تقع على عاتق مؤسسة بعينها، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والجامعة ومختلف مؤسسات الدولة. فالوطن لا يُصان بالكلمات وحدها، بل بالعمل والإخلاص واحترام القانون والتمسك بالقيم التي قامت عليها الدولة الأردنية منذ تأسيسها.
ومن موقعنا في جامعة جدارا، نؤمن أن التعليم ليس عملية أكاديمية فحسب، بل مشروع وطني متكامل يسهم في إعداد أجيال واعية بتاريخها، مدركة لحاضرها، وقادرة على صناعة مستقبلها. فالجامعات هي الحاضنة التي تتشكل فيها العقول، ومنها تنطلق الطاقات التي ستواصل بناء الأردن وتعزيز مكانته بين الأمم.
وفي ذكرى الثورة العربية الكبرى، ويوم الجيش، وعيد الجلوس الملكي، لا نحتفي بالماضي فقط، بل نجدد العهد مع الوطن. نجدد عهد الوفاء للأردن الذي منح أبناءه الأمن والكرامة، وعهد الولاء للقيادة الهاشمية التي حملت رسالة الدولة بإخلاص واقتدار، وعهد الانتماء لجيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية الذين يواصلون الليل بالنهار ليبقى الأردن واحة أمن واستقرار.
سيبقى الأردن، كما أراده الهاشميون، وطنًا للإنجاز لا للانتظار، ووطنًا للأمل لا لليأس، ووطنًا يصنع مستقبله بعقول أبنائه وسواعدهم، مستندًا إلى تاريخ مشرف، وقيادة حكيمة، وشعب يؤمن بأن محبة الوطن ليست قولًا يُردد، بل فعلًا يُمارس ومسؤولية تُحمل وشرفًا يُصان.
حمى الله الأردن، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي عهده الأمين، وأبقى راية الوطن عالية خفاقة، تمضي بثقة نحو مستقبل يليق بتاريخ الأردن ومكانة الأردنيين.