الإصلاح الاقتصادي يلزمه إصلاح اجتماعي وإداري يقوم على الشفافية والمساءلة والثقة المتبادلة

كان يا مكان في حديث الزمان، كانت هناك عائلة أردنية بسيطة، لا هي من أصحاب المليارات ولا من هواة الرحلات إلى جزر الكاريبي، عائلة "على قد حالها"، بالكاد تدبر أمورها من أول الشهر إلى آخره دون أن تستدين من عمّها أو خالها أو حتى من البقالة المجاورة.
ومع ارتفاع المصاريف وتراجع القدرة الشرائية، اجتمعت العائلة في قمة اقتصادية تاريخية، وأقرت عقداً اجتماعياً جديداً وخطة إصلاح مالي وتقشف مدروسة، فتم اعتماد مؤشرات أداء (KPIs)، وعلامات إنجاز (Milestones)، وإنشاء حصالة وطنية صغيرة توضع فيها وفورات الإصلاح، فتم تخفيض مصروف الأبناء إلى النصف، وتقليص الوجبات من ثلاث إلى اثنتين، وتحويل اللحمة والدجاج إلى ضيوف شرف يزورون المائدة مرة واحدة أسبوعياً.
وبعد أشهر من الصبر والتقشف والانضباط، بدأت النتائج تظهر، الحصالة امتلأت تدريجياً، والعائلة شعرت لأول مرة أن هناك أملاً في المستقبل، ولأسباب تتعلق بالأمن القومي الأسري، تم حفظ الحصالة في غرفة نوم الأب والأم.
لكن المفاجآت لا تنتهي في عالم الإدارة الاقتصادية!
فجأة ظهر الأب بهاتف "أبو تفاحة" من أحدث الإصدارات. سأله الأبناء: "من وين يا يابا؟" فأجاب بثقة خبير اقتصادي: "من الشغل". وبعد أيام قليلة ظهر ببدلة جديدة أنيقة. تكرر السؤال، وتكرر الجواب: "برضه من الشغل".
هنا بدأت مؤشرات الشفافية تتراجع، وارتفعت مؤشرات الشكوك، فقررت العائلة إجراء جرد للحصالة. وكانت الصدمة: الأموال أقل مما يجب!
وعندما واجهوا الأب بالأرقام والبيانات، لم يطلب تدقيقاً محاسبياً، ولم ينشر تقريراً مالياً، بل غضب وأعلن الأحكام العرفية داخل المنزل، وتعهد بتشكيل لجنة تحقيق لمعرفة "من هو الفاسد الذي سرق الحصالة"!
المفارقة أن اللجنة كانت تبحث في كل الاتجاهات... إلا اتجاه غرفة نوم الأب والأم.
ومع مرور الوقت زادت التوترات والمشكلات داخل الأسرة، فاكتشفت العائلة أن الإصلاح الاقتصادي وحده لا يكفي إذا لم يرافقه إصلاح اجتماعي وإداري يقوم على الشفافية والمساءلة والثقة المتبادلة. فالتقشف الذي لا يوزع أعباءه بعدالة يتحول إلى مصدر احتقان، والحصالة التي لا تخضع للرقابة تصبح مجرد صندوق أسرار.
لذلك قررت العائلة إطلاق حزمة إصلاحات جديدة، تضمنت تشكيل لجنة للإصلاح الأسري والاقتصادي، وإنشاء مرصد مستقل لرصد الأداء ومتابعة تنفيذ الخطة ونشر التقارير الدورية، حتى لا تتحول الحصالة إلى صندوق أسود.
كما اقترح الأبناء زيادة المصروف للعاملين والمتقاعدين داخل الأسرة، باعتبار أن أي زيادة معقولة في الدخل ستنعش السوق العائلي، وتعيد الحركة إلى البقالة المجاورة، وتنعش مبيعات الفلافل والسندويشات، فليس من المنطقي مطالبة الناس بالاستهلاك بينما جيوبهم في إجازة مفتوحة.
أما أحدث التوصيات فكانت الاستفادة من بعض التجارب الدولية، بما فيها فكرة إنشاء مرصد لرصد أداء الحكومة، ليس لأن الحصالة موجودة في البلد، بل لأن الرقابة والمتابعة والمساءلة تبقى أفكاراً جيدة أينما كانت، سواء في دولة أو في عائلة أو حتى في حصالة مختبئة تحت السرير.
والعبرة من القصة أن النجاح الحقيقي لا يقاس بحجم الأموال التي تدخل الحصالة، بل بمدى ثقة أصحابها بمن يديرها.