الأردن في قلب العاصفة.. حين يصبح الجغرافيا اختباراً للصمود.


أكتب هذه الكلمات على وقع أصوات الاعتراضات الجوية وسقوط الصواريخ في المناطق القريبة من حدودنا وفي فلسطين المحتلة، في مشهد يختصر حجم التحديات التي تعيشها منطقتنا، ويعيد التذكير بحقيقة ثابتة مفادها أن الأردن لم يختر موقعه الجغرافي، لكنه اختار دائماً أن يواجه تبعاته بالحكمة والثبات.

فقد كان قدر الأردن أن يقع في قلب منطقة تعد من أكثر مناطق العالم اضطراباً وحساسية، محاطاً بملفات سياسية وأمنية معقدة، وبحدود تتأثر باستمرار بما يجري حولها من أزمات وصراعات ، وإلى الغرب، تقف فلسطين الجريحة، التي لم تكن يوماً بالنسبة للأردنيين مجرد قضية جوار أو حدود، بل كانت وما تزال جزءاً من الوجدان الوطني والإنساني، وجزءاً من القلب والرئة الأردنية ، فما يحدث هناك يؤلم الأردنيين كما يؤلم الفلسطينيين، لأن الروابط بين الشعبين تتجاوز الجغرافيا والسياسة إلى التاريخ والدم والمصير المشترك.

وفي الجهة الأخرى، لا تزال الحدود الشمالية تتأثر بتداعيات سنوات طويلة من الأزمات التي مرت بها سوريا، الدولة الشقيقة التي ما زالت تعمل على تضميد جراحها واستعادة عافيتها واستقرارها ،أما لبنان ذلك البلد العربي العزيز، فما يزال يواجه تحديات كبيرة وأوضاعاً معقدة جعلته عرضة للاستهداف وعدم الاستقرار.

وسط هذا المشهد الإقليمي المضطرب، يجد الأردن نفسه أمام مسؤوليات متزايدة وتحديات متجددة ، فمنذ عقود، كان هذا الوطن ملاذاً آمناً لكل من ضاقت به السبل، وحضناً دافئاً لمن لجأ إليه طلباً للأمن والاستقرار ، ولم يكن ذلك مجرد موقف سياسي، بل نهجاً راسخاً تجسد في أخلاق الأردنيين وقيمهم الأصيلة التي جعلت من الكرم والتضامن والعطاء عنواناً دائماً لهم.

ورغم ما تفرضه الظروف الإقليمية من ضغوط اقتصادية وأمنية واجتماعية، بقي الأردن متماسكاً بفضل قوة مؤسساته، ووعي شعبه، والتفاف أبنائه حول وطنهم وقيادتهم ، كما أن الحكمة السياسية التي انتهجتها الدولة الأردنية أسهمت في تجنيب البلاد الكثير من المخاطر والفتن التي عصفت بدول عديدة في المنطقة.

إن قوة الأردن الحقيقية لم تكن يوماً في موقعه الجغرافي، بل في قدرته على تحويل هذا الموقع الصعب إلى مساحة للاستقرار والاتزان، وفي نجاحه المستمر في الحفاظ على أمنه ووحدته الوطنية رغم كل ما يدور حوله من عواصف.

وفي زمن تتعالى فيه أصوات الحرب وتزداد فيه مساحات القلق، يبقى الأمل بأن تنعم منطقتنا بالأمن والسلام، وأن تتوقف دوامة الدم والدمار التي أنهكت شعوبها ، ويبقى الدعاء الصادق بأن يحفظ الله الأردن وقيادته وشعبه، وأن يحفظ أوطاننا العربية جميعاً من الفتن والصراعات، وأن يكتب لهذه المنطقة مستقبلاً أكثر أمناً واستقراراً وعدلاً.

فالجغرافيا قد تفرض التحديات، لكنها لا تستطيع أن تنتزع من الشعوب إرادة الصمود ولا حقها في الحياة والأمن والسلام،