منهج التفاوض الاسرائيلي مع العرب


منذ دراستي عن مشروعات التسوية السياسية للصراع العربي الصهيوني عام 1979 والى الآن ، حاولت خلال هذه الرحلة الطويلة (47 سنة) ان اراقب "العقل الاسرائيلي " في التفاوض مع العرب، واجد ان هناك بعض المحددات المركزية التي يضعها الطرف الاسرائيلي في اعتباره عند التفاوض مع العرب وهي:
اولا: تقسيم الانظمة او القوى السياسية العربية الى اربعة مستويات  هي: انظمة  أو قوى خطرة لكنها هوجاء، وانظمة أو قوى خطرة ولكنها ذكية بقدر ما ، وانظمة او قوى قابلة للتطويع من خلال بعض الغواية والتهديد ، وانظمة او قوى لا في العير ولا في النفير لكنها تقبل التوظيف الدولي لها.
ثانيا: اغلب العرب يتصرفون على اساس "ما يعتقدون" لا على اساس " ما يمتلكون "، وتمثل اللغة والخطاب السياسي قاعدة هذا الاعتقاد ، وهو ما يستوجب عدم الاهتمام بما يقولون بل بما يمتلكون ، ويتم التفاوض معهم بعيدا عن "ولعهم الانشائي" رغم سيطرة ولعهم هذا على ادائهم التفاوضي في البداية.
ثالثا: العربي لا يستجيب للوعظ بمقدار استجابته للعصا، لذا يجب التفاوض معه على اساس الاكراه "العضلي والنفسي " لا على اساس الاقناع المنطقي والحجة بالحجة.
رابعا: العقل الباطن للعربي مكون اساسي في تكوين رؤيته للظواهر، وهو ما يستوجب الغوص في "اللاوعي الجمعي" لفهم المجتمع ، والغوض في اللاوعي الفردي لفهم القيادات وفريق التفاوض.
بناء على ما سبق، يتم التفاوض الاسرائيلي مع العرب  طبقا للتكتيكات التالية:
1- دراسة افراد فريق التفاوض العربي : ويتم من خلال :
أ‌- التركيز خلال المناقشات العامة او  الاجتماعات الفردية على بعض الأفراد في الفريق العربي دون الآخر ،لإثارة "التوتر الداخلي" بين  اعضاء الفريق ،وهو ما يمكن استغلاله من خلال فهم هذا التوتر الصامت .
ب‌- البحث عن عقد النقص عند كل من اعضاء الفريق (خلفيته الاجتماعية، مؤهلاته العلمية، عيوبه الجسدية، اتقانه للغات اجنبية،...الخ) ثم محاولة الطرق على هذه العقد لتوظيفها في تعزيز التوتر داخله، واستغلال هذا  التوتر.
ت‌- البحث في امكانية الانفراد بالبعض من الفريق للحوار الجانبي معه، وتعزيز الاحساس لديه  بالأهمية له.
ث‌- تحسس مدى نزوع المفاوض للشهرة والتقدم في سلم صنع القرار السياسي ، وتوظيف ذلك خلال اشتراكه في المفاوضات، وهو ما يغويه لتقديم التنازلات لضمان المساندة الاسرائيليه لدوره.
ج‌- ضرورة اشراك او اطلاع المتخصصين الاسرائيليين في العقل العربي على سير التفاوض من جانب النقاط السابقة الذكر ،واستشارة هؤلاء المتخصصين في كيفية استغلال النقاط السابقة.
2- مكان التفاوض: وهذا يستوجب خلال مرحلة التمهيد للتفاوض ان يتم:
أ‌- المقارنة من البداية بين الاماكن المقترحة للتفاوض ومزايا وعيوب كل مكان بخاصة من ناحية توظيف آليات التفاوض.
ب‌-  توظيف المكان لنسج علاقات مع اطراف اخرى بخاصة إذا كان التفاوض في بلد عربي (عُمان او قطر او مصر ..الخ)
ت‌- دراسة مدى حرص دولة المكان على النجاح لتعزيز مكانتها الاقليمية او الدولية والبحث في كيفية استغلال هذا الحرص.
3- موضوعات التفاوض: وهنا يتم العمل التفاوضي على اساس :
أ‌- جعل اولويات الطرف الاسرائيلي هي التي تطغى على المناقشات التمهيدية، وخلق الانطباع لدى العالم ان المفاوضات هي لبحث "هذه الموضوعات" اكثر من غيرها.
ب‌- صياغة النصوص والمقترحات بطريقة واضحة وقاطعة في الموضوعات الاستراتيجية المهمة لاسرائيل ،بينما تتم صياغة الموضوعات الخاصة بالطرف العربي بشكل قابل للتأويل في دلالاته الوصفية او المعاني او المدى الزمني  لبحثه او تنفيذه...الخ.
ت‌- اعتبار الاغراض الاسرائيلية اغراض عاجلة او فورية، وصياغة المطالب العربية باعتبارها لاحقة او مؤجلة (مثل عبارة موضوعات الحل النهائي في اوسلو) ، ثم اعتبار التأخير في تنفيذ العاجل مبررا لاطالة انتظار الآجل (وهو المطلب العربي) .
ث‌- توظيف الاعلام توظيفا ذكيا لخدمة العملية التفاوضية من خلال تشويش المطالب العربية وتوضيح المطالب الاسرائيلية وتعزيز منطقيتها .
ج‌- الاتفاق بين الفريق الاسرائيلي على دور القوى الكبرى من خلال ثلاثة ابعاد : من يشارك من القوى الكبرى ومن يجب استبعاده ، ثم ما حدود دور من يشارك ، وثالثا كيف نلجم الدور السلبي لمن لم يشارك او من ترفض اسرائيل مشاركته.
4- تنفيذ الاتفاقات: وهنا تعمل اسرائيل على :
أ‌- اختيار اللغة التي يجب اعتمادها عند صياغة نص الاتفاق ،واعتبار معاني المفاهيم هي كما تعنيها في اللغة المختارة .
ب‌- المفاهيم التي عليها خلاف يتم تفسيرها في الحاشية ،مع اعتبار الحاشية جزءا اصيلا من النص( مثل اصرار اسرائيل على وضع حاشية تتضمن  النص على ان عبارة الضفة الغربية تعني يهودا والسامرة)
ت‌- اولوية تنفيذ المطالب الاسرائيلية  و " الوعد " بالانتقال للمطالب العربية لاحقا(مثل قضايا الحل النهائي)
ث‌- تنفيذ المطالب العربية طبقا للتأويل الاسرائيلي لما تعنيه عملية التنفيذ من منظور اسرائيلي.(الارضي المحتلة او اراض محتلة)
ج‌- ضرورة تنشيط العمل الاستخباراتي  حول الفريق العربي المفاوض، واستغلال المعلومات التي تتوفر عنه.
ح‌- استغلال الحساسيات والضغائن الدفينة (الفردية بين القادة العرب  والمجتمعية بين القوى السياسية والاجتماعية العربية) من خلال خلق جو من الشكوك في دلالات الافق الاستراتيجي للتنفيذ.(مسارين للتفاوض مع الفلسطينيين وكل مسار لا يعلم عن المسار الآخر كما جرى خلال اوسلو )
خ‌- عدم التعويل كثيرا على الرفض العربي الفوري او الانسحاب او تعطيل التفاوض ، فالعرب سيعودون لطاولة التفاوض بطرق سرية او علنية.
د‌- الرفض العربي لا يعني –في الغالب- انه موقف قطعي، بل ان تاريخ التفاوض مع العرب يشير الى انهم يتراجعون عن مواقفهم في نسبة عالية جدا من الحالات.
ذ‌- المبالغة في الجانب الاحتفالي من جوانبه الشكلية، والتركيز على اشخاص الطرف العربي لاشباع الرغبة في الظهور امام العالم للتخفيف من الحرج المتواري داخلهم من النتائج الميدانية للتفاوض.
ذلك يعني ان التفاوض عملية تخضع لتخطيط "علمي" ، بينما عند العرب- كما يقول كاتب اسرائيلي-  ليس التفاوض الا تكرار لحالات "خطبة العروس"  في المجتمع العربي، حيث يطغى البعد "الطقوسي" عندما تتقاطر الجاهات وبروتوكول فنجان القهوة وقراءة الفاتحة رغم ان العريسين- في اغلب الحالات - شبعا احضانا وقُبلات من بعضهما قبل ذلك كله..ربما.