الأردن… وطنُ الوفاء الذي لا تُقاس قيمته بالمناصب.
في الأوطان الحقيقية، لا يكون الانتماء موقفاً مؤقتاً تحكمه المصالح، ولا علاقةً مرتبطة بمنصبٍ أو موقع رسمي، بل يبقى الوفاء قيمةً ثابتةً تُختبر في أوقات الحضور كما في أوقات الغياب ، والأردن هذا الوطن الذي احتضن أبناءه وفتح أبواب الفرص أمام الكثيرين، ظل على الدوام بيتاً كبيراً يتسع للجميع، يصنع الرجال ويمنح الفرص ويؤسس لمسيرةٍ من العطاء والخبرة والمسؤولية.
الأردن ليس مجرد حدودٍ تُرسم فوق الورق، بل حالة وجدانية تسكن القلوب، وتاريخ من التضحيات والاعتدال والكرامة ، هنا كبرت أسماء، وتكوّنت خبرات، وتقلّد كثيرون مواقع المسؤولية العليا، فكان الوطن بالنسبة لهم منصة للعمل والعطاء وصناعة الأثر.
لكن ما يثير التأمل أحياناً أن بعض الأصوات، بعد مغادرتها المشهد العام أو انتهاء دورها الوظيفي، تتحول من لغة البناء إلى لغة القسوة، ومن النقد المسؤول إلى خطابٍ يبدو ثقيلاً على وطن منح الكثير ، فالنقد حقٌّ مشروع حين يكون موضوعياً ومخلصاً ويهدف إلى الإصلاح، لكن يبقى الفرق كبيراً بين النقد الذي ينطلق من الحرص، والكلام الذي يوحي وكأن قيمة الوطن ارتبطت ببقاء الأشخاص في مواقعهم.
الأردن أكبر من المناصب، وأبقى من الأشخاص، وهو وطنٌ لا يُختزل في مرحلة أو مسؤول أو ظرف عابر ، ومن نهل من خير هذا البلد، واستفاد من مؤسساته، وارتقى في سلّم المسؤولية بفضل ما أتاحه الوطن من فرص، يبقى مطالباً — أخلاقياً ووطنياً — بأن يكون صوته متزناً، يحمل همّ الإصلاح دون تجريح، ويقدم الرأي دون أن يثقل على ذاكرة الوفاء.
فحبّ الوطن لا يُقاس بلحظة رضا أو اختلاف، ولا يتغير بتبدّل المواقع ، الأوطان تُحب في الشدّة قبل الرخاء، ويُحفظ عهدها في الحضور والغياب، لأن الوفاء الحقيقي يظهر حين تتغيّر الظروف وتبقى القيم ثابتة.
هذه بلدنا… وما نخون عهودها،
حدودها لا تُرسم فوق الورق،
بل في القلوب التي آمنت أن الأردن قصة وفاء لا تنتهي.