صناعة النخبة النسائية في عهد الملك الحسين.. من "المجال الأهلي" إلى "سُدّة القرار السياسي"
الحلقة الثامنة من سلسلة استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني
بقلم: د. أحمد زياد أبو غنيمة
توطئة:
إيماناً بجدوى التوثيق الرصين، وابتعاداً عن السجال السياسي اليومي، نواصل اليوم نشر الحلقة الثامنة من سلسلة "استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني"، المستلهمة من مسار دراستي الأكاديمية لدرجة الماجستير حول آليات صناعة النخبة السياسية الأردنية.
نسعى من خلالها لقراءة محطات دولتنا ورجالاتها ونسائها بموضوعية وتجرد؛ حمايةً لذاكرتنا الوطنية، ووضعاً لتجارب أصحاب القرار بين يدي الأجيال القادمة لتكون أثراً أبقى وأكثر نفعاً.
**
"هندسة التدرج": فلسفة الدولة في إدماج المرأة
عند تتبع آليات "صناعة النخبة السياسية الأردنية" في عهد الملك الراحل الحسين بن طلال، يبرز مسار "النخبة النسائية" كواحد من أعقد المسارات السوسيولوجية والسياسية وأكثرها دلالة.
لم يكن صعود المرأة الأردنية إلى مواقع صنع القرار طفرة عشوائية، بل كان نتاجاً لـ "هندسة تدرجية" قادها العقل السياسي للدولة بحذر شديد؛ بهدف إحداث اختراق تحديثي في بنية الإدارة العامة، دون الاصطدام المباشر مع البنية العشائرية والمحافظة للمجتمع الأردني في ذلك الوقت.
لقد ارتكزت هذه الهندسة على نقل النخبة النسائية عبر ثلاث مراحل مدروسة: من ساحة "العمل التطوعي والمدني"، مروراً بـ "التعيين البيروقراطي والاستشاري"، وصولاً إلى "التمثيل البرلماني والسياسي المباشر".
**
المرحلة الأولى: النخبة المدنية وتأسيس الوعي (الخمسينيات والستينيات)
أدركت الدولة مبكراً أن تهيئة المجتمع لتقبل القيادة النسائية يبدأ من مؤسسات المجتمع المدني والعمل الخيري، والتي شكلت "حاضنة التدريب الأولى" للمرأة الأردنية.
في هذه المرحلة، برزت قيادات نسائية رائدة أسسن للوعي الحقوقي والسياسي، وعلى رأسهن الأستاذة إميلي بشارات (أول محامية أردنية، ورئيسة اتحاد المرأة الأردنية)، والتي قادت مع نخبة من السيدات حراكاً حقوقياً هادئاً أثمر في النهاية عن نيل المرأة الأردنية لحقها في الانتخاب والترشح عام 1974.
لقد تعامل النظام السياسي مع هذه النخبة المدنية بمنطق "الاستيعاب الإيجابي"، حيث سمح بتشكل قيادات مجتمعية (مثل السيدة هيفاء البشير في قطاع العمل التطوعي) لتكون جسراً يعبر بالمرأة من الحيز الخاص إلى الحيز العام.
**
المرحلة الثانية: "الهندسة الفوقية" والاختراق التشريعي والتنفيذي (السبعينيات والثمانينيات)
مع تعذر إجراء الانتخابات النيابية في السبعينيات، استخدم الملك الحسين أداة "المجلس الوطني الاستشاري" كرافعة مؤسسية لكسر الجليد السياسي حول مشاركة المرأة في التشريع والرقابة.
وقد تجلت "هندسة التدرج" بوضوح تام في زيادة الحضور النسائي عبر المجالس الثلاثة المتعاقبة (1978 - 1984):
* المجلس الاستشاري الأول (نيسان 1978): شكل البداية التاريخية بكسر الاحتكار الذكوري، حيث ضم في عضويته (3) سيدات، ليمثلن أول دخول رسمي للمرأة في السلطة التشريعية/الاستشارية، وهن: السيدة إنعام المفتي، والمحامية نائلة الرشدان، والسيدة وداد بولص.
* المجلس الاستشاري الثاني (نيسان 1980): رفعت الدولة نسبة التمثيل النسائي ليضم المجلس (4) سيدات؛ حيث حافظت على استمرارية (نائلة الرشدان ووداد بولص) لترسيخ التجربة التراكمية، وأدخلت دماءً جديدة تمثلت في السيدة جانيت المفتي، والدكتورة عدوية العلمي.
[ ] المجلس الاستشاري الثالث (نيسان 1982): استقر الحضور النسائي بـ (4) سيدات، لكنه شهد تصعيداً لنخبة نسائية ذات ثقل سياسي ومجتمعي أعمق، حيث ضم كلاً من: السيدة ليلى شرف، والسيدة هيفاء البشير، والسيدة سامية الزرو والسيدة عيدة المطلق قناة.
**
ولم يقف الأمر عند هذا الاختراق التشريعي المدروس، بل اتخذت الدولة عام 1979 القرار السيادي الأجرأ بكسر احتكار الذكور للسلطة التنفيذية؛ حيث تم توزير السيدة إنعام المفتي كأول وزيرة في تاريخ الأردن (وزارة التنمية الاجتماعية) في حكومة مضر بدران، مستفيدة من رصيدها الناجح في المجلس الاستشاري الأول.
ويلاحظ الباحث هنا ميكانيزم "التوظيف التخصصي"؛ فقد تم إدخال المرأة إلى الحكومة عبر بوابة "التنمية الاجتماعية" (وهو امتداد تنفيذي للرعاية المجتمعية)، لضمان تقبل الشارع لهذه الخطوة.
لاحقاً، تطورت هذه الهندسة بدخول السيدة ليلى شرف كوزيرة للإعلام عام 1984، مما مثّل انتقالاً كبيراً للنخبة النسائية من حقائب "الرعاية" إلى حقائب "التوجيه السياسي والسيادي".
**
المرحلة الثالثة: التحول الديمقراطي وانتزاع الشرعية الشعبية (التسعينيات)
مع عودة الحياة البرلمانية الكاملة عام 1989، رفعت الدولة يدها عن "التعيين الفوقي" لتضع النخبة النسائية أمام اختبار الصناديق.
ورغم إخفاق المرشحات في برلمان 1989 نتيجة سطوة التصويت التقليدي، استمر الدعم السياسي المباشر من مؤسسة العرش لتمكين المرأة.
تجلت ثمار هذا التحول في عام 1993، حين استطاعت السيدة توجان فيصل أن تنتزع أول مقعد برلماني لامرأة في تاريخ الأردن عبر الانتخاب المباشر، ممثلةً صوتاً معارضاً وجريئاً تحت قبة البرلمان.
بالتوازي مع ذلك، حرصت الدولة على إدماج كفاءات نسائية وازنة في صياغة "الميثاق الوطني الأردني" عام 1991 (مثل الأستاذة أسمى خضر والسيدة ليلى شرف والسيدة منى شقير)، مما رسخ مكانة المرأة كعنصر أساسي في صياغة العقد الاجتماعي والسياسي للدولة الحديثة.
**
الخلاصة البحثية:
تُثبت القراءة السوسيولوجية لتطور النخبة النسائية في الأردن أن الملك الحسين بن طلال أدار ملف المشاركة السياسية للمرأة بـ "بديناميكة متدرجة".
لقد تجنب فرض المرأة "قسراً" على مجتمع محافظ بطريقة تستفز بناه التقليدية، واختار بدلاً من ذلك آلية "التدريج الهندسي"؛ فبدأ بتشريع حقوقها (1974)، ثم أدخلها شريكاً بالتعيين المباشر والمتدرج في المجالس الاستشارية والوزارات (1978-1984)، ليهيئ الأرضية المجتمعية والتشريعية التي سمحت لها لاحقاً بانتزاع شرعيتها الشعبية عبر صناديق الاقتراع (1993).
إن النخبة النسائية الأردنية لم تكن مجرد "ديكور سياسي"، بل كانت نتاج تفاعل عميق بين إرادة سياسية تحديثية من أعلى، ونضال حقوقي ومدني من أسفل، مما أنتج نماذج قيادية أسهمت بفاعلية في بناء مؤسسات الدولة الحديثة.
*
(الصور بالترتيب مع حفظ الالقاب: اميلي بشارات، إنعام المفتي، ليلى شرف.
الصف الثاني: نائلة الرشدان، هيفاء البشير.
الصف الثالث: جانيت المفتي، أسمى خضر، عيده المطلق قناة )