لا نهضة بلا انسجام… ولا إنجاز بلا كفاءة.


في الدول التي تنجح، لا تُقاس الإنجازات بعدد المبادرات ولا بكثرة التصريحات، بل بقدرة المؤسسات على العمل كجسد واحد، متناغم، يعرف وجهته ويملك إرادة الوصول إليها ، أما حين يغيب الانسجام بين مكونات المشهد الرسمي، فإن الجهود — مهما كانت صادقة — تصبح أشبه بجزر متفرقة لا تصنع أثراً بحجم التحديات.

إن الحاجة اليوم ليست إلى تحسينات شكلية أو حلول مؤقتة، بل إلى مراجعة جذرية تعيد التوازن إلى المشهد الرسمي، وتربط المؤسسات بروح الفريق الواحد، تحت مرجعية واضحة ورؤية منسجمة، لأن المواطن لا ينتظر تبريراً، بل ينتظر أثراً ملموساً في حياته اليومية، في معيشته، وخدماته، وفرصه، ومستقبل أبنائه.

لا أحد ينكر وجود أعمال إيجابية وجهود تستحق التقدير في بعض المواقع، لكن المشكلة تبدأ حين تعمل هذه الجهود بمعزل عن غيرها، دون تناغم مؤسسي حقيقي، فيتحول النجاح الجزئي إلى إنجاز محدود التأثير، لا ينعكس كما يجب على الاقتصاد أو جودة الحياة.

وفي ملف الاقتصاد الرقمي تحديداً، وهو الرهان الذي أولاه جلالة الملك وسمو ولي العهد اهتماماً واضحاً بوصفه بوابة المستقبل، ما زالت الطموحات تصطدم ببطء التنفيذ وضعف المواءمة بين الإمكانات المتوفرة والقيادات القادرة على استثمارها. نعم، خطونا خطوات تقنية لا يمكن إنكارها، لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون: هل وصلنا إلى مستوى الطموح والإمكانات البشرية الموجودة في وطننا؟

الأمم لا تنهض إلا عندما تضع الشخص المناسب في المكان المناسب ، وحين يُعطى "الخبز لخبازه”، تصبح الكفاءة معياراً لا المجاملة، والخبرة الحقيقية بوابةً للإنجاز لا العلاقات ، أما تهميش الطاقات الشابة المؤهلة، وإبعاد الكفاءات القادرة على صناعة الفرق، فهو استنزاف صامت لفرص الوطن، خصوصاً حين نرى أبناءنا الذين تلقوا التعليم والتأهيل يبدعون في دول أخرى، بينما تبقى بعض المواقع محكومة بعقلية تخشى التغيير أكثر مما تخشى التراجع.

إن التمسك بالمناصب، وصناعة دوائر التصفيق، وإخفاء الإخفاقات خلف مشاهد العلاقات العامة، لا يصنع دولة قوية ولا اقتصاداً تنافسياً، بل يؤجل مواجهة الواقع ويزيد الفجوة بين الطموح والنتيجة.

ما يحتاجه المشهد اليوم ليس صداماً ولا إحباطاً، بل ثورة بيضاء هادئة في الفكر والإدارة والاختيار ، ثورة تعيد الاعتبار للكفاءة، وتفتح الطريق أمام القيادات المؤهلة، وتُفعّل الانسجام الحقيقي بين المؤسسات، حتى تتحرك السفينة بثقة نحو بر الأمان.

فالأوطان لا تنتظر كثيراً… والفرص لا تبقى طويلاً… ومن يسأل: متى؟
يبقى الأمل قائماً بأن يكون الجواب: عسى أن يكون قريباً.