باطن العالم وظاهره بالنسبة إلى قادة إيران

هناك معركة جديدة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد الميديا الأميركية الليبرالية، مثل «نيويورك تايمز» وشبكة «سي إن إن»، خلاصتها اتهام الرئيس ترمب لهذه المؤسسات الصحافية الليبرالية بخذلان الشعب والأمة الأميركية في حربها مع النظام الإيراني، وتبنّي «البروباغاندا» الإيرانية، بخصوص الحرب.

 

سنقول إنها معركة قديمة جديدة، لكن العنوان هذه المرّة مختلف، ومن الطبيعي أن يغضب الرئيس وأركان إدارته من عدم «تطابق» رواية الميديا الأميركية مع رواية البنتاغون والبيت الأبيض وسلسلة تصريحات وتغريدات ترمب شخصياً كل يوم أو أكثر من مرّة في اليوم... لنقل إنها رغبة كل حاكم.

لكن هل يعني هذا تبرئة وسائل مثل «نيويورك تايمز» و«سي إن إن» من «الهوى السياسي» في تغطية هذه الحرب؟!

هذه المنابر ومن يقف خلفها لها «ثأر» مستمر من قبل الحرب الحالية مع ترمب بل مع التيار الترمبي كله، ولذلك فمن الصعب أخذ روايتها على محمل البراءة.

أمس (الخميس)، ذكرت شبكة «سي إن إن» نقلاً عن مصدرَين مطلعَين على تقييمات استخباراتية أميركية، أنَّ إيران استأنفت بالفعل بعض عمليات إنتاج الطائرات المسيّرة خلال فترة وقف إطلاق النار التي بدأت في أوائل أبريل (نيسان).

كما نقل التقرير عن 4 مصادر أنَّ الاستخبارات الأميركية تشير إلى أنَّ الجيش الإيراني يعيد بناء صفوفه بوتيرة أسرع بكثير مما كان متوقعاً في البداية.

أيضاً لشبكة «سي إن إن» قال مسؤولٌ أميركي: «لقد تجاوز الإيرانيون جميع الجداول الزمنية التي حدَّدتها أجهزة الاستخبارات لإعادة البناء».

بعيداً عن «الهوى السياسي» لـ«سي إن إن»، فإن أخذ هذه المعلومات على محمل الجدّ هو من عزائم الأمور، بل هو الأقرب للواقع، لستُ أعني التقليل من الضرر الفادح الذي ألحقته القوات الأميركية والإسرائيلية بقدرات إيران العسكرية، كما تشتهي «سي إن إن» ترويجه، بل أعني أن قادة النظام في إيران لهم سلوكٌ ظاهر، وآخر باطنٌ في عالم السياسة، ومن هذا الباب يجب الولوج إلى مدينة السياسة الخمينية.

في عالم الظاهر، نرى أمثال: ظريف وعراقجي، وربما قاليباف، ولهم أجنحة ثقافية وإعلامية في الغرب، لكن في عالم الباطن هناك تأويلٌ آخر للعالم وللسياسة.

أعني أنه حتى لو كان رئيس أميركا هو أوباما أو كارتر، حتى روبرت دي نيرو نفسه، فلن يثني ذلك قادة إيران عن الإخلاص للعالم الباطني، الذي هو العالم الحقيقي بالنسبة إليهم.

القوم يرون أنفسهم حملة رسالة قيادية، للعالم كله، وهذه هي الحقيقة الأصلية بالنسبة إليهم.

قال القاضي النعمان، وهو من فلاسفة الباطنية، في أحد كتبه: «لا بدّ لكل محسوسٍ من ظاهرٍ وباطن، فظاهره ما تقعُ الحواسُّ عليه، وباطنه يحويه ويحيط العلمُ بهِ بأنّهُ فيه، وظاهرهُ مشتملٌ عليه».

لستُ أقول بحصر التعامل مع النظام الإيراني بهذا المفهوم، ولكنّني أدعو إلى عدم إهماله، أقلّهُ للفهم!