سوريا… حين شعرتُ أن الحدود مجرد خطوط على الورق.
رغم القرب الجغرافي بين الأردن وسوريا، بقيت زيارة بلاد الشام مؤجلة لسنوات، تارةً بسبب الظروف، وتارةً لأن الأقدار تختار لحظاتها الخاصة ، لكن حين سنحت الفرصة، كانت الرحلة الأولى إلى سوريا أكثر من مجرد زيارة؛ كانت لقاءً مع التاريخ، ومع ذاكرة عربية تنبض في كل حجر وزاوية.
في دمشق، المدينة التي تمشي فيها الحضارة على مهل، شعرت أن الزمن لا يُقاس بالساعات، بل بما تختزنه الأزقة من حكايات. هناك، في رحاب الجامع الأموي، حيث يتكلم التاريخ بأبهى صوره، تقف الكلمات عاجزة أمام رهبة المكان، وكأن الجدران تحفظ همسات العابرين منذ قرون، وتروي للأرواح حكاية مدينة لم تنحنِ رغم كل ما مرّ بها.
ومن دمشق إلى ريفها الجميل، حيث الطبيعة تحتضن الروح، ثم إلى المصايف الساحرة في حمص وطرطوس، حيث الجبال تلامس الغيم والسهول تفتح ذراعيها للغريب قبل القريب، كانت المشاهد كلوحات مرسومة بعناية إلهية؛ جمالٌ يأسر العين وهدوءٌ يلامس القلب.
ورغم حجم المعاناة التي مرّ بها الشعب السوري الأصيل، بقيت الابتسامة حاضرة، والكرم سيد الموقف ، استقبلونا بكلمات دافئة، بوجوه تحمل طيبة الناس وبساطة الروح، حديثهم جميل كجمال بردى، وترحيبهم يجعلك تشعر أنك لم تغادر وطنك يوماً.
بل لعل أكثر ما لامس القلب أنني، حين وطئت قدماي أرض سوريا، لم أشعر أنني غادرت الأردن. شيءٌ ما في الملامح، واللهجة، والدفء الإنساني، يجعلك تدرك أن بين البلدين ما هو أعمق من حدود وجغرافيا؛ أخوّةٌ ممتدة، ووجدانٌ واحد، وتاريخٌ تتشابك جذوره في الأرض والإنسان.
ولا يمكن أن تكتمل الحكاية دون ذكر الصحبة الطيبة التي منحت الرحلة مزيداً من المعنى والجمال، فبعض الأماكن تصبح أجمل حين نشاركها مع قلوب نرتاح لها، وأرواح تعرف كيف تصنع من التفاصيل ذكرى لا تُنسى.
من الأردن، بلد النشامى والحضن الدافئ لكل زائر، يخرج الدعاء الصادق لسوريا العروبة: أن تبقى شامخة كجبالها، مزدهرة كسهولها الخضراء، وأن تستعيد كل ما تستحقه من أمن وازدهار وطمأنينة.
ومن القلب… شكراً لسوريا، شعباً وأرضاً وتاريخاً، وشكراً للأردن الذي علّم أبناءه أن المحبة لا تعترف بالحدود.