أربعون عامًا على أحداث اليرموك: حين يروى ما لا تقوله الوثائق


يصادف اليوم أربعون عامًا على أحداث جامعة اليرموك 1986، تلك الهزّة التي لم تكن مجرد اضطراب طلابي عابر، بل زلزالًا سياسيًا واجتماعيًا أعاد تشكيل خريطة التعليم العالي في الأردن، وترك ندوبًا في الذاكرة الجماعية لم تندمل بعد، ومهد أيضا لهبة نيسان في العام 1989 على قضايا معيشية اجتماعية بنكهة سياسية، تلاها الانفراج الديمقراطي وتشكيل لجنة الميثاق برئاسة المرحوم أحمد عبيدات مدير المخابرات ورئيس الوزراء الأسبق.

لفهم ما جرى، يجب أن نعود إلى أردنٍ كان يغلي بصمت تحت رماد الأحكام العرفية الممتدة لثلاثة عقود. بلدٌ تتجاذبه مراكز قوى تتصارع في الكواليس: زيد الرفاعي على رأس الحكومة، وعبد الهادي المجالي على رأس الأمن العام (رحمهما الله)، وعدنان بدران في رئاسة جامعة اليرموك.
 المفارقة التي تدهش المؤرخ أن هذا الثالوث نفسه سيعود بعد عقدين ليتربع على قمم الدولة: بدران رئيسًا للوزراء، والمجالي رئيسًا لمجلس النواب، والرفاعي رئيسًا لمجلس الأعيان، كأن التاريخ كان يختبرهم في اليرموك قبل أن يمنحهم مفاتيح المملكة.

شرارة من رحم الغضب الطلابي:

لم يندلع الحريق دفعة واحدة، بدأ الجمر يتوهج عام 1985 حين رفعت الإدارة رسوم كلية الهندسة، قرارٌ بدا تقنيًا لكنه لامس عصبًا مكشوفًا. ثم جاء 30 آذار 1986 ليشعل الفتيل: مئتان وخمسون طالبًا أمام كلية العلوم، وخطب لا تطالب فقط بتخفيض الرسوم، بل تمتد إلى قصف الطيران الأمريكي لليبيا وإلى القضية الفلسطينية ويوم الأرض.
 تحولت المطالب من دفتر الحسابات إلى خريطة السياسة، وهنا تغيرت قواعد اللعبة.

ردة فعل مجلس الجامعة قبلها كانت قاسية: فصل 32 طالبًا، وبعدها أيضا تم فصل وعقوبات على الناشطين، واعتقالات تطال آخرين كثر، القرار الذي كان يُفترض أن يُخمد الاحتجاج، حوله إلى ثورة طلابية داخل الحرم الجامعي.

13 أيار: يوم انكسر السور:

في ذلك اليوم، تحول الحرم الجامعي إلى بؤرة مواجهة، اعتصام طلابي ضخم استمر حتى صباح اليوم التالي، لينتهي باقتحام قوات الأمن فجر يوم 15 أيار " كان اسمها قوات البادية " للجامعة.

وهنا تخرج الوثائق من جفافها الرسمي لتنبض بالحياة: 
كنتُ هناك، لم أكن مجرد شاهد، بل جسدًا يلهث هربًا بين رصاص الغاز وطين الغابة، أنا وصديقي، من القلائل الذين كتبوا نهاية مختلفة لذاك اليوم، نهاية لم تنتهِ في مدرسة الصناعة على تل إربد حيث احتُجز أكثر من ألف طالب مكبلين.

كانت قوات الأمن تحيط بالجامعة من كل جهة، لكنها، كما بدا لنا بوضوح- لم تكن مدربة على فوضى الطلاب، ثغرة في التطويق قادتنا نحو كلية الاقتصاد.
 من هناك، انفتح أمامنا مشهد لا ينسى: أرض خلاء تعقبها غابة صنوبر، وسماء تمطر علينا طينًا وقنابل غاز مسيل للدموع خلفنا في آنٍ واحد، رائحة الصنوبر الممزوجة بالغاز، والأقدام التي تغوص في الوحل، والنجاة التي تتجسد مع كل خطوة نحو خارج السور... تلك تفاصيل لا تسكن الأرشيف، بل تسكن الجسد.

الملك يعود، والدولة تعيد الحساب:

في لندن، كان الملك الحسين بن طلال (طيب الله ثراه) في زيارة رسمية، حين سُئل في مؤتمر صحفي عن أحداث اليرموك، قطع كل شيء وعاد فورًا. تدخله المباشر -رغم الأحكام العرفية السائدة، كشف أن ما يجري في إربد لم يكن حدثًا هامشيًا، بل جرحًا في خاصرة الدولة يستوجب تدخل ورعاية الملك بنفسه.
شُكلت لجان تحقيق، وفُصل أساتذة، ثم أعادهم الملك. 
لكن النتيجة الأبعد أثرًا كانت قرارًا هندسيًا بامتياز: نقل الكليات العلمية من اليرموك إلى موقع دائم على طريق الرمثا، لتولد من رحم الأزمة جامعة العلوم والتكنولوجيا، صرحٌ علمي مستقل، وكأن الدم الذي سال أعاد رسم خريطة التعليم العالي.

شهداء في ذاكرة المطر:

في غمرة السياسة والتحليل، لا يصح أن ننسى الأجساد التي سقطت: الزملاء إبراهيم حمدان العجارمة طالب الهندسة، ومروى طاهر الشيخ طالبة فصل تخرج أحياء، ومها محمد قاسم، طلاب استشهدوا بين رصاص وهراوات، وتركوا سؤالًا معلقًا في سماء الجامعة: هل كان يمكن للحوار أن يسبق القوة؟

أربعون عامًا، وما زالت حكاية اليرموك تُروى:
 ترويها الوثائق الرسمية بلغتها المحايدة، ويرويها الطلبة بين أشجار الصنوبر بلغة الطين والمطر والغاز. وربما في لقاء الروايتين، تتشكل الحقيقة التي نستحق.

وائل منسي