“دبابيس” أولى التجارب المبكرة الراصدة عكست قوة الإعلام الرقمي
في عام 2005، كنت أتولى إدارة إحدى المؤسسات الإبداعية المتخصصة في حملات العلاقات العامة والتسويق الاجتماعي والسياسي، والتي نجحت آنذاك في تقديم محتوى نوعي حظي بانتشار واسع وتفاعل جماهيري لافت. وفي مرحلة سبقت انتشار المواقع الإلكترونية والهواتف الذكية، أطلقنا بالتعاون مع شركة فاست لينك التي أصبحت لاحقاً زين، خدمة إخبارية نصية حملت اسم "دبابيس”، تقوم على إرسال أخبار وتحليلات مكثفة لا تتجاوز جملة أو جملتين، ترصد أبرز الأحداث وتتابع الأداء الحكومي بقدر عالٍ من الجرأة والمهنية، في تجربة يمكن اعتبارها من البدايات المبكرة للإعلام الرقمي الحديث في الأردن.
وخلال فترة قصيرة، استطاعت "دبابيس” استقطاب عشرات الآلاف من المشتركين، بينهم وزراء ومسؤولون وضباط أمن وشخصيات رسمية بارزة، مستندة إلى شبكة واسعة من المصادر ضمت صحفيين محترفين وأصدقاء في مواقع القرار.
ومن بين أبرز المحطات التي صنعت حضور الخدمة، نشر خبر أول إصابة بإنفلونزا الخنازير في الأردن كسبق صحفي، في فترة كان فيها المهندس سعيد دروزة وزيراً للصحة، وكان أخوه مازن دروزة عضو مجلس إدارة في مؤسستنا، كما رصدت الخدمة في إحدى المرات وجود بيانات قديمة وغير محدثة على الصفحة الرئيسية لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، لا تزال تحمل اسم الوزير السابق رغم مرور عام على تغييره.
ومن المواقف اللافتة أيضاً، ما جرى خلال مأدبة إفطار رمضانية أقامها آنذاك ناصر جودة، قبل توليه حقيبة الخارجية، بحضور رئيس الوزراء الأسبق المرحوم د. معروف البخيت وعدد من كبار المسؤولين والوزراء والضباط، إضافة إلى نخبة محدودة من الصحفيين في لقاء غير مخصص للنشر. وخلال الحديث، علّق الرئيس على واقع التلفزيون الأردني قائلاً ما معناه إن حتى تيد تيرنر، مؤسس CNN، لو تولى إدارة التلفزيون الأردني فلن ينجح في إصلاحه.
بعد ثوانٍ قليلة فقط، وصلني نص التصريح عبر أحد الصحفيين الحاضرين، فقمت شخصياً ببثه عبر منصة "دبابيس” متحملا مسؤولية النشر نظراً لحساسية المعلومة. والمفارقة أن معظم الحضور كانوا مشتركين بالخدمة، لتبدأ هواتفهم بالرنين في اللحظة نفسها تقريباً، وسط حالة من الذهول والارتباك، بعدما أدرك الجميع أن مصدر التسريب موجود داخل القاعة نفسها.
في اليوم التالي، تلقينا اتصالات عاتبة من معالي ناصر جودة ومن عبد الله أبو رمان، المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء آنذاك، متسائلين عن الجهة التي سربت الخبر، فيما اكتفينا بإجابة ساخرة ومقتضبة تجنباً لإحراج أي طرف.
وقد أدى ذلك "الدبوس” الإخباري إلى تصاعد الضغوط الرسمية على شركة فاست لينك، حيث عُقد لقاء مع السيدة سوزان عفانة التي كانت تشغل حينها منصب المديرة التنفيذية للعلاقات العامة والاتصال في الشركة، قبل أن تصبح لاحقاً وزيرة في حكومة الرفاعي. وكانت عفانة قد عملت سابقاً مراسلة لـ CNN إلى جانب الأميرة ريم علي، وشاركتا في الفوز بجائزة "إيمي” عن تقرير "قادة الشرق الأوسط الجدد”، الذي تناول آنذاك صعود عدد من القادة العرب إلى الحكم في فترة متقاربة وهم جلالة الملك عبد الله الثاني والملك حمد ملك البحرين والملك محمد السادس، وفي نهاية المطاف، تم "التوافق” على إيقاف خدمة "دبابيس”.
لاحقاً، تطورت الفكرة نحو مشروع لإنشاء موقع إخباري إلكتروني يحمل الاسم نفسه، بدعم من الباشا سمير أحمد الحياري، وذلك في مرحلة سبقت ظهور وانتشار مواقع إخبارية أردنية معروفة لاحقاً مثل عمون وخبرني وسرايا. إلا أن الضغوط "الرسمية" التي مورست في ذلك الوقت دفعت مجلس إدارة المؤسسة إلى التراجع عن استكمال المشروع.
ورغم مرور السنوات، بقيت تلك التجربة شاهداً مبكراً على قوة الإعلام الرقمي، وعلى أهمية حرية واستقلالية الصحافة والرأي والتعبير باعتبارها ركائز أساسية لأي مجتمع يسعى إلى التطور والانفتاح.