الشرق الأوسط منطقة «المجهولات المبهمة»

قبل وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، 20 يناير/ كانون الثاني 2017 إلى 20 يناير2021، استقرت منظومة الحكم سواءً جمهورية؛ ديمقراطية على مبدأ «يبقى الوضع على ما هو عليه»، واستقرار فكرة دعم رؤساء المنطقة بالرغم من ثورات الشعوب، والزئبقية بين الشعب والقائد؛ حتى يتبين الموقف، وبالتالي فإن واشنطن لعبت دوراً كبيراً في إذكاء الخلافات في المنطقة وتجهيز البدائل الجاهزة في كواليس الأروقة المخابراتية.


إن اهتمام الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط، يرتكز على استراتيجية ثابتة، ومفادها أن المنطقة وما تملكه من ثروات باطنية وطاقة وموقع استراتيجي يتقاطع مع أهداف الاستراتيجية الروسية والصينية، يحتم عليها السيطرة وزيادة القواعد العسكرية وإبرام اتفاقيات بأشكالها المختلفة. لذا من الخطأ الانسياق وراء الدعاية التي روجت لها بعض الأوساط الإعلامية عن فكرة انسحاب واشنطن من المنطقة وتركها لأصحابها في الخلافات والاختلافات واختيار دور المتفرج من بعيد.

يقول ثعلب الشرق الأوسط ووزير الخارجية الأسبق، هنري كيسنجر، إن من يسيطر على سوريا، يسيطر تباعاً على بقية مناطق الشرق الأوسط، يؤكد هذا القول ما تعنيه المنطقة لواشنطن بغض النظر على شخصية الرئيس وحزبه، وبالتالي فإن الاستراتيجية الأمريكية تعمل وفق نظرية المد والجزر، لأن هناك كما هائلا من التصريحات التي تؤكد أهمية الشرق الأوسط لواشنطن.

على سبيل المثال لا الحصر، الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن قال بمعركته الانتخابية؛ إن الشرق الأوسط مهم للغاية لواشنطن، لأن فيه «إسرائيل» ونفطنا!

مع بداية فترة الحكم الأولى للرئيس 45 ترامب، ظهرت عدة مؤشرات كبيرة لتعزيز فكرة السيطرة المحكمة على منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي فإن هذه المؤشرات رسمت السياسة العامة للولايات المتحدة، وحددت المفاهيم الخاصة والعامة، والمؤشرات هذه بدأت مع اللقاء التاريخي الأول بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون – عُقد في 12 يونيو/ حزيران 2018 في سنغافورة، وشهد أول مصافحة بين رئيس أمريكي وزعيم كوري شمالي، وتم فيه التوقيع على بيان مشترك لنزع السلاح النووي وتحسين العلاقات… الهدف تبريد جبهة كوريا الشمالية، أو محاصرة فكرة العداء التاريخي واحتوائه بالحد الأدنى.

المؤشر الأخطر والذي يعتبر بالزلزال الكبير، في 3 يناير/ كانون الثاني 2020، وفي ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، شنت الولايات المتحدة غارة بطائرة مسيرة بدون طيار على قافلة كانت تسير بالقرب من مطار بغداد الدولي وأُطلق على هذه العملية اسم عملية «البرق الأزرق»، وأسفرت عن مقتل اللواء في الحرس الثوري وقائد فيلق القدس قاسم سليماني، كما قتل تسعة أشخاص آخرين، من بينهم نائب قائد قوات الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس.

وكان هناك عدة مؤشرات إلا إنها اعتبرت بالسياقات الطبيعية؛ كالزيارة الأولى للمملكة العربية السعودية وما تعنيه هذه الزيارة في قلب الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية، والتعاون الاقتصادي الوثيق بينهما، وإجراءات مجحفة بحق الشعب العربي الفلسطيني –نقل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية رسمياً إلى القدس في 14 مايو/ أيار 2018– في دلالة على التحالف العضوي مع دولة الكيان الصهيوني الذي نراه اليوم في أفضل حالاته، لجهة الحرب على إيران ولبنان، والاعتداءات على سوريا بين الفينة والفينة.في الفترة الثانية لترامب برزت عدة تحديات ومخاطر؛ أقصد الحرب الروسية الأوكرانية، والتغلغل الإيراني في أربع عواصم عربية، بالإضافة إلى الزحف الصيني إلى الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، واستغلال انشغالها بإيجاد الحلول، ووصولها – أي الصين – إلى فنزويلا وقارة أفريقيا، وإبرام عدة عقود وتعزيز مفهوم التسلل الاقتصادي المتمثل بالحزام والطريق، الأمر الذي أزعج واشنطن وبالأخص الرئيس ترامب الذي وجه لكمات لخصومه على طريقة المصارعة بسن قوانين الضرائب على غالبية القارة، والاشتباك اللفظي مع القارة الأوروبية، والتهديد بتركها وحيدة بمواجهة الدب الروسي، إلى إعلان الحرب على إيران مع الارتباك بالأهداف والمبتغيات.

ينظر المتابع إلى مجريات الحرب بالرغم من عدم التكافؤ العسكري، باعتراف الفريقين، لكن الضربات الموجهة في الفترتين الأولى والتي دامت اثني عشر يوماً، وحتى الثانية أربعين يوماً، التي لم تنته حسب زعم الرئيس الأمريكي ترامب، حتى توقع طهران على صفقة، أو التدمير للبنى التحتية ومسح حضارتها بالكامل يبقى السؤال الكبير، هل دخلت الولايات المتحدة بالفعل منطقة «المجهولات المبهمة» حسب قول وزير الدفاع الأسبق دونالد رامسفيلد؟

واشنطن في حالة السلم تصنع الأعداء، فما بالك مع الأيديولوجية الإيرانية واتصالها الوثيق مع أعدائها اللدودين روسيا – الصين، فالمسألة بالنسبة إليها فرصة لإنشاء «دفرسوار»، ممر باتجاه الأعداء مباشرة.
٭ كاتب فلسطيني وباحث سياسي