آثار فعل ارتفاع أسعار النفط
يُعدّ النفط السلعة الاستراتيجية الأوسع تداولاً اقتصادياً عالمياً. من ثم، فإن تعكير استقرار ميزان العرض والطلب العالمي للنفط، بالذات في مصدره الأساسي، دول الخليج العربي، يشكّل هزة كبيرة في الأسواق، ليس فقط في سوق النفط العالمية، بل في معظم القطاعات الاقتصادية. إذ، وكما يتبين الآن في مختلف دول العالم، ترتفع أسعار السلع الصناعية التي تحتاج إلى وقود المنتجات النفطية لتصنيعها ونقلها عبر البحار والمحيطات.
تتأثر أغلبية دول العالم من إرباك سوق النفط. هكذا كانت التجربة الدولية أثناء تفشي «كوفيد - 19» في أوائل عقد العشرينات الحالي، وذلك على الرغم من بدء الكثير من الدول في الاعتماد على الطاقات المستدامة، كما الحال في أقطار السوق الأوروبية المشتركة. وكما هي الحال في الوقت الحاضر في الولايات المتحدة، الدولة المصدرة الكبرى للنفط، والتي حاولت جاهدة منذ بدء القرن العشرين تحقيق استقلال عن استيراد النفط؛ للتأكيد عن قوتها النفطية الذاتية. وقد أشار كبار المسؤولين الأميركيين خلال الحرب الدائرة إلى «استقلالية» الولايات المتحدة عن الآثار المترتبة على الارتفاع العالي والسريع لأسعار النفط؛ نظراً لإمكاناتها التصديرية النفطية بعد الاكتشافات الاقتصادية الضخمة للنفط الصخري منذ عام 2015. لكن رغم هذا، ورغم بروز الولايات المتحدة دولةً مصدرةً كبرى، ارتفع سعر البنزين في الولايات المتحدة من نحو دولارين للتر إلى أكثر من 5 دولارات للتر خلال الحرب الجارية، طبعاً هذا ناهيك عن ارتفاع «فاتورة المنزل» الأميركية.
وبالفعل، فقد ارتفعت أسعار البنزين والديزل في محطات البنزين الأميركية من نحو دولار- دولارين للتر قبيل الحرب لتصعد خلال شهري الحرب إلى أكثر من 5 دولارات للتر؛ ما أدى إلى ضجة كبيرة لدى الرأي العام الأميركي، الذي يعتمد كثيراً على النقل البري يومياً لمسافات طويلة ما بين موقع سكنه إلى مقر عمله. من ثم، أهمية أسعار وقود المواصلات لفاتورة العائلة الأسبوعية. وبالإضافة إلى هذا وذاك، هناك ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز المستعمل في المنازل.
كل هذا رغم كون الولايات المتحدة واحدة من كبرى الدول المنتجة للنفط عالمياً. إذ إن ارتفاع إنتاجها النفطي يقابله في الوقت نفسه، استهلاك داخلي مرتفع، هو الأعلى من نوعه عالمياً.
ولم تكن الهند، ثالث أكبر مستهلك للنفط عالمياً بعد الولايات المتحدة والصين، بمنأى عن هذه التداعيات السلبية. ومع ذلك، نجحت الحكومة الهندية في احتواء الأزمة عبر حزمة من الإجراءات الحمائية، شملت تقديم مساعدات مالية اتحادية وللولايات لدعم الشركات، وتعديل الهياكل الضريبية لتخفيف وطأة أسعار الوقود على المستهلكين، فضلاً عن فرض سقف سعري للنفط. ورغم التكلفة الباهظة التي تكبدتها موازنة الدولة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الداخلي، فإن نيودلهي استفادت بشكل ملموس من الخصومات السعرية التي حصلت عليها من الدول الخاضعة للعقوبات، ولا سيما النفط الروسي والإيراني.
ومما ساعد أيضاً شركات النفط الهندية هو دورها الريادي منذ فترة في لعب دور رئيس لتصدير المنتجات النفطية للأسواق النفطية الآسيوية المزدهرة؛ الأمر الذي ساعد الشركات الهندية في تحويل جزء من عبء زيادة الأسعار إلى شركات المصافي الإقليمية الآسيوية. ومن الجدير بالذكر، أن الهند هي ثالث أكبر دولة في العالم مستهلكة للنفط، بعد الولايات المتحدة والصين.
لكن المشكلة التي يواجهها المستهلك العالمي، لا تنحصر طبعاً بارتفاع أسعار الوقود، بل تلقي بظلالها أيضاً على الاقتصاد العالمي. وحسب دراسة صدرت الأسبوع الماضي عن «مجموعة البنك الدولي»، يتبين أن ارتفاع النفط «يؤثر على كل شيء بدءاً من أسواق الطاقة الدولية وصولاً إلى فاتورة المشتريات الأسبوعية».
ووفقاً لتوقعات البنك الدولي حول أسواق السلع، من المتوقع أن ترتفع أسعار السلع العالمية بنسبة 16 في المائة هذا العام، بينما قد ترتفع أسعار الطاقة بنسبة 24 في المائة، وهو أعلى مستوى لها منذ الغزو الروسي لأوكرانيا.