“وثيقة من صفحة واحدة”.. خامنئي يصوغ الاستراتيجية وترامب يفقد الردع.. ونتنياهو يعيش بين تناقضات مواقفه
لا تتحقق توقعات ترامب وفقاً للخطة الموضوعة. ففي عطلة نهاية الأسبوع الماضي، رتب ترامب لصديقه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقفاً لإطلاق النار مدة ثلاثة أيام مع أوكرانيا، بهدف تهدئة خوف بوتين من مهاجمة مسيرات أوكرانية للعرض العسكري التقليدي في موسكو بمناسبة ذكرى الانتصار على ألمانيا النازية. ولكن الأمور في الخليج الفارسي ما زالت تسير ببطء، وكالعادة هناك فجوة كبيرة بين تصريحات ترامب الاحتفالية والواقع.
الأربعاء، أوقف ترامب العملية الأمريكية لكسر الحصار الإيراني على مضيق هرمز، بعد أقل من يومين تقريباً على بدء الحصار، وأعلن عن تقدم ملحوظ في المحادثات غير المباشرة مع النظام في طهران، وتم تسريب تفاصيل من الإدارة الأمريكية حول اتفاق قريب بين الطرفين، ينهي الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 شباط الماضي. وحسب التقارير، تجري حالياً صياغة وثيقة مبادئ من صفحة واحدة، سيبدأ على أثرها الأمريكيون والإيرانيون بمفاوضات كثيفة مدة شهر حول تفاصيل الاتفاق النهائي.
في غضون ذلك، يبدو أن الأمور ما زالت على حالها. فقد كانت هناك أحداث إطلاق نار حول مضيق هرمز، مساء الخميس والجمعة، بين سفن أمريكية والحرس الثوري الإيراني. قلل ترامب من أهمية هذه الأحداث، وقال إن الحرب لم تستأنف. يصعب أخذ تصريحات الرئيس على محمل الجد. ما زالت الفوضى مستمرة في الخليج. فالوضع ليس حرباً شاملة في الوقت الحالي، ويبدو أن الطرفين في هذه المرحلة يفضلان عدم العودة إليها، لكن لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على تقدم الجهود نحو التوصل إلى اتفاق. وحتى الآن لم تقدم إيران ردها على المقترح الأمريكي.
يبدو أن الإيرانيين يستمتعون بقدرتهم المتكررة على إظهار أن توقعات ترامب تتلاشى. ويبدو أن الرئيس الأمريكي يجد صعوبة في فرض إرادته على الإيرانيين، بل إنه يفقد في الواقع القدرة على ردعهم. وتقول مصادر مطلعة في الإدارة الأمريكية ومسؤولون أمنيون في إسرائيل بأن الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران حول قضايا جوهرية – مثل الترتيبات المتعلقة بحق تخصيب اليورانيوم ومستقبل الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة ورفع العقوبات الدولية عن إيران وترتيب الاجراءات المنصوص عليها في الاتفاق – ما زالت كبيرة.
إسرائيل تتحدث عن الصعوبة الاقتصادية المتفاقمة التي تواجه النظام الإيراني. وفي نهاية الأسبوع الماضي، جاءت أنباء عن نفط قامت إيران بصبه في الخليج، ما قد يشير إلى فائض في الإنتاج الذي لا يمكنهم تصديره في ظل الحصار الأمريكي المضاد في جنوب مضيق هرمز. وقد اندلع إضراب في البازار مؤخراً، السوق المركزية في طهران، ويزداد قلق النظام حول صعوبة توفير السلع الأساسية للسكان. في نهاية المطاف، ورغم تعنت إيران في المفاوضات، يبدو أن التهديد الأكبر للنظام يكمن في الخوف من انهيار اقتصادي كبير.
وقد امتلأت وسائل الإعلام الأمريكية في الفترة الأخيرة بتقارير حول محدودية التحركات العسكرية. وحسب تقارير داخلية لأجهزة المخابرات الأمريكية تم تسريبها لوسائل الإعلام، فإن المواقع النووية لم تتضرر في الجولة الحالية مقارنة مع جولة القتال السابقة في حزيران الماضي. ويقدر أن عدد منصات إطلاق الصواريخ البالستية قد انخفض إلى النصف، وربما الثلث فقط، وهو أقل من التقديرات الأولية. ويستغل الإيرانيون وقف إطلاق النار الجزئي في محاولة لإعادة الإعمار والتعافي. وتقدر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بأن النظام يمكنه الصمود أربعة أشهر أخرى أمام العقوبات الاقتصادية والضغط العسكري.
وتشير الـ "سي.آي.إيه” إلى أن مجتبى خامنئي، نجل علي خامنئي وخليفته، ما زال يشارك في منظومة صنع القرار. لقد أصيب خامنئي الابن، لكنه يتواصل مع كبار المسؤولين في الحرس الثوري من خلال وسطاء، ويمتنع عن استخدام وسائل الاتصال الإلكترونية. ورغم محدودية التواصل معه، فإن القائد يشارك في صياغة الاستراتيجية، في حين يتولى قادة الحرس الثوري مسؤولية الإدارة التكتيكية اليومية للأزمة.
مع تشكك
لقد تضمن رد نتنياهو على الالتماسات المقدمة ضد تعيين سكرتيره العسكري اللواء رومان غوفمان كرئيس للموساد، ادعاء مفاجئاً. فقد أعلن نتنياهو من خلال محاميه بأن "مسؤولية أمن البلاد ومواطنيها من مسؤولية رئيس الحكومة وحده”. وكان هدف هذا الادعاء مساعدة نتنياهو على دحض نتائج التحقيق في تعيين غوفمان، على خلفية القضية التي استخدم فيها المرافق اوري المكيس كعميل من قبل ضباط تابعين لغوفمان. ولكن ترقيته تشبه المنفى الاختياري؛ فطوال سنتين ونصف استمر واصل إنكار مسؤوليته عن 7 أكتوبر. وربما كان ينبغي لمحاميه إضافة شرط "المسؤولية لا تسري في أيام السبت والأعياد”.
يجد نتنياهو صعوبة متزايدة في التوفيق بين تناقضات مواقفه. لقد تلاشى النصر المطلق الذي وعد به منذ زمن. ويبدو أن مؤيديه المتحمسين فقط هم الذين يوافقون على تهربه من إجراء تحقيق مستقل في هذا الفشل الذريع. ومع بقاء ستة أشهر على موعد الانتخابات، فإن وضع رئيس الحكومة، كما تعكس الاستطلاعات، لا يبشر بالخير. هذه هي الأسباب التي تدعو إلى فحص قراراته في المجال الأمني والسياسي بمزيد من الشك، مع اقتراب موعد الانتخابات.