«جبل غامض» في قلب ليبيا يحيّر العلماء.. و «ناسا» تكشف الحقيقة من الفضاء
وثّقت كاميرات محطة الفضاء الدولية مشهداً جيولوجياً نادراً في عمق الصحراء الكبرى جنوب شرق ليبيا، بعدما ظهرت بنية صخرية دائرية عملاقة تُعرف باسم «جبل أركانو»، بدت من المدار الأرضي وكأنها فوهة نيزكية هائلة، قبل أن تكشف الدراسات العلمية أن أصلها يعود إلى نشاط بركاني داخلي معقّد امتد عبر ملايين السنين.
وبحسب بيانات مرصد الأرض التابع لوكالة NASA، فقد التُقطت الصورة في 13 سبتمبر 2025 بواسطة أحد رواد الفضاء على متن محطة الفضاء الدولية، قبل نشرها رسمياً ضمن «صورة اليوم» في 28 نوفمبر من العام ذاته، لتسلّط الضوء على أحد أكثر التكوينات الصخرية غرابة قرب الحدود الليبية المصرية.
تكوين دائري عملاق وسط الصحراء
ويقع جبل أركانو في منطقة نائية من الصحراء الكبرى، ويبلغ قطره نحو 25 كيلومتراً، فيما يرتفع إلى قرابة 1400 متر فوق سطح البحر، أي بنحو 800 متر فوق السهول الرملية المحيطة، ما يجعله بارزاً بوضوح عند رصده من الفضاء.
ويتميّز الجبل بحلقات صخرية متداخلة تمنحه شكلاً دائرياً فريداً، في حين تتكون بنيته من صخور نارية تشمل البازلت والجرانيت، بينما تحيط به شمالاً تكوينات رسوبية من الحجر الرملي والحجر الجيري والكوارتز، تبدو كغطاء جيولوجي فوق أجزاء من التكوين.
هل هو فوهة نيزك؟
ورغم أن شكله الدائري دفع بعض التفسيرات الأولية إلى الاعتقاد بأنه ناتج عن اصطدام نيزكي قديم، فإن الدراسات الجيولوجية الميدانية أكدت أن أصل الجبل بركاني داخلي، وليس فوهة ارتطام.
وأوضحت الدراسات التي استندت إليها "ناسا" أن الصهارة البركانية صعدت مراراً عبر القشرة الأرضية، وتسللت بين الصخور القديمة، ما أدى إلى تكوين حلقات متراكبة ظهرت بهذا الشكل الهندسي اللافت.
وأشار تقرير مرصد الأرض التابع لـ"ناسا" إلى أن «عمليات اقتحام صهارية متكررة أدت إلى تشكيل حلقات متراكبة، مع محاذاة مراكزها باتجاه الجنوب الغربي تقريباً».
ورغم وضوح آلية تشكله، فإن العمر الدقيق للجبل لا يزال غير محسوم علمياً، ويُنظر إليه بوصفه أثراً محفوظاً لحقب جيولوجية موغلة في القدم.
واحدة من أكثر مناطق العالم جفافاً
ويقع جبل أركانو في واحدة من أكثر مناطق العالم جفافاً، إذ تشير بيانات علمية مستندة إلى مهمة TRMM الخاصة بقياس الأمطار إلى أن معدلات الهطول في جنوب شرق ليبيا لا تتجاوز بين 1 و5 مليمترات سنوياً، وقد تصل في بعض المناطق المجاورة إلى نحو 10 مليمترات فقط.
ورغم هذه الظروف القاسية، رصدت الأقمار الصناعية وجود غطاء نباتي محدود داخل التكوين الصخري وحوله، يضم أعشاباً وشجيرات وأحياناً أشجاراً متناثرة.
وتُرجع "ناسا" هذا الظهور النباتي النادر إلى ما يُعرف بتأثير «الرفع التضاريسي»، إذ تدفع المرتفعات الهواء إلى الأعلى، ما يؤدي إلى تبريده وتكوّن سحب محدودة وأمطار خفيفة للغاية، إضافة إلى دور الظلال الصخرية في تقليل فقدان الرطوبة.
صورة تختصر ملايين السنين
وتجمع الصورة الفضائية لجبل أركانو بين الحلقات البركانية والكثبان الرملية والأودية الجافة والغطاء النباتي المتناثر، في مشهد طبيعي نادر يعكس تفاعل الجيولوجيا والمناخ عبر ملايين السنين.
ورغم أن التكوين قد يبدو من الفضاء وكأنه بنية صناعية أو فوهة اصطدام غامضة، فإن الحقيقة العلمية تؤكد أنه سجل طبيعي هائل تشكّل بفعل عمليات بركانية عميقة، ليبقى واحداً من أكثر المعالم الجيولوجية إثارة وغموضاً في قلب الصحراء الكبرى.