أحمديان يعري “نخبة التحليل” ويكشف الخلل البنيوي في الثقافة والمعرفة التفكير والقدرة على الفهم والدفاع

"إن لم تكونوا أنتم أحرارًا من أمةٍ حرة، فحرياتُ الأمم عارٌ عليكم.”
#أنطون_سعاده

صباح الحق والخير والجمال،

ليست كلّ مواجهةٍ إعلامية مجرّد تبادلٍ للآراء… بعضُها يتحول إلى لحظة كشف حضاري. وما جرى في تكرار ظهور د. حسن أحمديان على قناة الجزيرة، ضمن حلقات تضم ستة أو سبعة ضيوف، لم يكن حدثاً عابراً… بل إنذاراً مبكراً، أو بصيغة أدق: ناقوس خطر.

المسألة لم تكن في "من انتصر” في النقاش، بل في ما كُشف خلاله. كُشف خلل في الثقافة قبل السياسة، في المعرفة قبل الموقف، وفي بنية التفكير قبل اللغة.

حين يتقدّم شخص واحد بخطاب متماسك، واضح، واثق، ويقف أمام مجموعة من الضيوف الذين يفترض أنهم يمثلون "نخبة التحليل”، ثم يظهر هذا التفاوت الحاد في القدرة على الفهم والدفاع، فنحن لا نتحدث عن فارق فردي… بل عن خلل بنيوي.

هذا الخلل يتجلّى في ثلاثة مستويات مترابطة:

أولاً، خلل في الثقافة:
الثقافة لم تعد تنتج وعياً، بل تعيد تدوير شعارات. تحوّلت من منظومة تشكل العقل، إلى مساحة استهلاك لفظي. لذلك، حين يختبر هذا الخطاب في مواجهة حقيقية، يتهاوى سريعا، لأنه لم يُبنَ أصلًا على أساسٍ معرفي متين.

ثانياً، خلل في المعرفة:
المعرفة ليست معلومات متناثرة، بل نظام ينتج فهماً. وما ظهر في تلك الحلقات هو غياب هذا النظام. ضيوف يمتلكون مفردات، لكنهم يفتقدون الربط، يفتقدون العمق، يفتقدون القدرة على تحويل المعلومة إلى حُجّة. وهنا يصبح الحديث كثيراً… والمضمون قليلًا.

ثالثاً، خلل في البعد الحضاري:
الحضارة لا تُقاس بالتاريخ فقط، بل بالقدرة على الاستمرار والتجدد. وعندما تعجز بيئة كاملة عن إنتاج خطابٍ قادر على الدفاع عن قضاياها، فإنها تدخل في حالة انكشاف حضاري، حتى لو امتلكت رصيداً تاريخياً كبيراً.

ما فعله أحمديان، بوعيٍ أو دون وعي، أنه وضع هذا الخلل تحت الضوء. لم يخلقه… بل كشفه. كشف أن الفارق الحقيقي ليس بين "شرق وغرب”، ولا بين "محاور سياسية”… بل بين من يمتلك أدوات التفكير، ومن فقدها.

وهنا تكمن الخطورة.

حين يرى جيل كامل هذا التفاوت، فإنه لا يتفاعل معه سياسياً فقط… بل يعيد تشكيل وعيه بناءً عليه. يبدأ بالسؤال: لماذا هذا الطرف أكثر قدرة على الإقناع؟ لماذا يبدو أكثر ثقة؟ لماذا يملك إجابات، بينما الآخر يملك انفعالات؟ لماذا تمتلك إيران قرارها المستقل دون تبعية لأحد ولماذا استطاعت أن تقف بكل اقتدار بوجه أكبر قوة عسكرية في تاريخ البشرية برغم ٤٧ عاماً من الحصار الخانق، هذه كلها أسئلة ستخلق مقارنات لا حصر لها في وجدان الجماهير.

المشكلة، إذاً، ليست في أحمديان… بل في الفراغ الذي ملأه. ليست في صوته… بل في غياب أصوات تمتلك العمق ذاته. وهذا ما يجعل من هذه اللحظة ناقوس خطر حقيقي، لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه.

إعادة الاعتبار للثقافة والمعرفة ليست ترفاً… بل ضرورة وجودية. تبدأ من التعليم، تمرّ بالإعلام، وتصل إلى النخب التي يُفترض أن تقود الوعي، لا أن تتبعه.

لأن الأمة التي تفقد قدرتها على إنتاج المعرفة، تفقد قدرتها على الدفاع عن نفسها… ليس عسكريًا فقط، بل فكريًا وحضاريًا.

وفي النهاية، ما كُشف لم يكن ضعف أفراد… بل هشاشة منظومة.

د. طـارق سـامي خـوري