حين يتحول الانفعال إلى وقود… كيف نصنع أعداءنا بأيدينا؟
في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، لم تعد الكلمة تمرّ مروراً عابراً، بل تتحول في لحظة إلى شرارة تشعل سجالات لا تنتهي ، باتت الردود الانفعالية هي السمة الغالبة على كل حدث أو تصريح، مهما كان هامشياً أو عابراً ، ما إن يُبدي شخص رأياً أو يتصدر مشهداً حتى تنهال عليه سيول من التعليقات المؤيدة والمعارضة، فنجد أنفسنا داخل دوامة صاخبة، حيث يعلو الضجيج ويغيب المعنى، ويكبر حجم الشخص أو الفكرة التي هاجمناها فقط لأننا سلّطنا عليها الضوء.
المشكلة ليست في الاختلاف، فالاختلاف دليل حيوية أي مجتمع، بل في الطريقة التي نُدير بها هذا الاختلاف ، حين يتحول النقاش إلى ساحة انفعال، نفقد البوصلة وننجرّ إلى معارك جانبية تستنزف طاقتنا ووقتنا ، والأسوأ من ذلك، أننا نمنح الفرصة لمن يتقن العبث بعقول الجماهير ، ذلك "الذباب الإلكتروني” الذي يتغذى على التوتر، ويعيد تدوير الخلافات، ويزرع الشك بين أبناء المجتمع الواحد، حتى تصبح الجبهة الداخلية هشة، سهلة الاختراق.
في خضم هذا الصخب، يغيب السؤال الأهم: ما الذي نخسره ونحن ننشغل بكل هذا؟ الحقيقة أننا، دون أن نشعر، نتحول إلى أدوات في لعبة أكبر تُدار من خلف الستار ، ننفعل، نشارك، نهاجم، ونعيد نشر كل ما يثير غضبنا، بينما تُترك القضايا الجوهرية في الظل ، في عالم يموج بالصراعات والتحديات، حيث تُستهدف الأوطان وتُهدد الاستقرار، يبدو انشغالنا بالقضايا السطحية نوعاً من الترف الخطير، إن لم يكن شكلاً من أشكال الإلهاء المقصود.
القوة الحقيقية لا تكمن في سرعة الرد ولا في حدة التعليق، بل في القدرة على التمييز ، أن نعرف متى نتكلم، ومتى نصمت، ومتى يكون التجاهل موقفاً أكثر تأثيراً من ألف رد ، فليس كل ما يُقال يستحق أن يُناقش، وليس كل من يتصدر المشهد يستحق أن يُمنح مساحة في وعينا.
إن الوعي اليوم لم يعد خياراً، بل ضرورة أن نرتب أولوياتنا، وأن نحسن توجيه اهتمامنا، وأن نرفض أن نكون وقوداً لمعركة لا تخدمنا ، وإن كان لا بد من المواجهة، فلتكن مواجهة فكرية واعية، قائمة على الحجة والمعرفة، لا على الانفعال وردود الأفعال.
في النهاية، قد لا نستطيع إيقاف سيل الضجيج، لكننا نستطيع أن نقرر: هل نكون جزءاً منه، أم نكون صوتاً يعيد للعقل مكانته وسط كل هذا الصخب.