القمار الإلكتروني والنزيف الاقتصادي الصامت

في ظل التحول الرقمي المتسارع، لم يعد القمار نشاطًا محصورًا في أماكن مغلقة أو سياقات محددة، بل أصبح متاحًا بضغطة زر على الهاتف المحمول. ورغم أن القمار بجميع أشكاله محظور قانونيًا في الأردن، إلا أن الواقع يشير إلى انتشار متزايد لما يمكن تسميته بـ"القمار الإلكتروني غير المرئي"، خاصة بين فئة الشباب. هذه الظاهرة لم تعد مجرد مسألة قانونية أو أخلاقية، بل تحولت إلى قضية اقتصادية واجتماعية تستحق نقاشًا جادًا.

المشكلة تبدأ من نقطة بسيطة لكنها عميقة: سهولة الوصول إلى مواقع القمار. فالشاب الأردني اليوم لا يحتاج إلى شبكة علاقات أو بيئة خاصة للدخول في عالم القمار، بل يكفيه هاتف ذكي، واتصال بالإنترنت، وربما محفظة إلكترونية أو عملة رقمية. هذا التحول جعل من القمار نشاطًا فرديًا معزولًا، لكنه في الوقت نفسه واسع الانتشار وصعب الرصد (وليس مستحيلًا).

لكن لماذا الشباب تحديدًا؟ الإجابة تكمن في تداخل عدة عوامل. أولها البطالة المرتفعة، التي تدفع البعض إلى البحث عن "فرص بديلة" لتحقيق دخل سريع، حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر. ثانيها الثقافة الرقمية الجديدة، حيث تتداخل الألعاب الإلكترونية مع عناصر من المقامرة مثل الرهانات و"الصناديق العشوائية" (عنصر شائع في الألعاب الإلكترونية، حيث يدفع اللاعب مالًا حقيقيًا أو عملة داخل اللعبة للحصول على "صندوق" يحتوي على مكافآت غير معروفة مسبقًا وتعتمد على الحظ، مما يخلق مسارًا تدريجيًا من الترفيه إلى المقامرة). وثالثها التأثير غير المباشر للإعلانات الرقمية، التي تروج لأنماط حياة قائمة على الربح السريع والمخاطرة.

لا يمكن التقليل من خطورة هذه الظاهرة. اقتصاديًا، تقدّر منظمة الصحة العالمية أن نحو 1.2% من البالغين في العالم يعانون من اضطراب القمار، وأن إيرادات صناعة القمار العالمية قد تصل إلى 700 مليار دولار بحلول 2028، مدفوعة أساسًا بالهواتف الذكية والمنصات الرقمية. كما أن 46.2% من البالغين و17.9% من المراهقين حول العالم مارسوا شكلًا من أشكال القمار خلال سنة واحدة.

في الأردن، لا توجد أرقام رسمية منشورة عن حجم القمار الإلكتروني، لكن لدينا قاعدة تقديرية مهمة: فالشباب بين 15 و24 عامًا يشكلون نحو 20% من السكان، أي حوالي 2.3 مليون شاب وشابة من أصل 11.7 مليون نسمة في 2025. كما أن بطالة الشباب مرتفعة نسبياً .

لنفترض وبحسبة توضيحية بسيطة أن 1% فقط من الشباب في الأردن ينخرطون في القمار الإلكتروني بصورة منتظمة. هذا يعني حوالي 23 ألف شاب. إذا خسر كل واحد منهم في المتوسط 50 دينارًا شهريًا، فإن الخسارة السنوية تصل إلى نحو 13.8 مليون دينار. وإذا ارتفعت النسبة إلى 3%، تصبح الخسارة نحو 41 مليون دينار سنويًا، أما عند 5% فتقترب من 69 مليون دينار.

قد لا تبدو هذه الأرقام ضخمة مقارنة بحجم الناتج المحلي الأردني، الذي بلغ نحو 43.7 مليار دينار في 2025، لكنها تصبح خطيرة لأنها تتركز في فئة عمرية هشة ماليًا، ولأن جزءًا كبيرًا من الأموال يخرج إلى منصات أجنبية بدل أن يدور داخل الاقتصاد المحلي.

وإذا افترضنا أن هذه الأموال كانت ستُنفق محليًا في التعليم، النقل، المطاعم، الملابس، التدريب، أو المشاريع الصغيرة، فإن أثرها الاقتصادي لا يساوي فقط المبلغ الأصلي، بل يشمل ما يسمى "الأثر المضاعف". فخسارة 40–70 مليون دينار سنويًا من إنفاق الشباب قد تعني فقدان نشاط اقتصادي أوسع (200-350 مليون دينار حسب آخر دراسات المضاعف الكلي)، وربما ما يعادل مئات أو آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، خصوصًا في قطاعات الخدمات الصغيرة التي تعتمد على إنفاق الأسر والشباب.

القمار الإلكتروني لا يخلق قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصاد، بل يعمل كقناة لتسريب الدخل إلى الخارج. فمعظم المنصات التي يستخدمها اللاعبون الأردنيون تقع خارج البلاد، رغم أن الدفع أحيانًا يكون لأرقام وحسابات محلية، ما يعني أن الأموال المحولة إليها تمثل استنزافًا مباشرًا للعملة الأجنبية. وفي اقتصاد يعاني أصلًا من عجز في الحساب الجاري وضغوط على الاحتياطيات، فإن هذا النوع من التسرب لا يمكن تجاهله.

والأخطر أن القمار الإلكتروني لا يضرب الدخل فقط، بل يضرب السلوك الاقتصادي للشباب: يقلل الادخار، يزيد الاقتراض، يؤخر الزواج مما يزيد من الاضطرابات الاجتماعية، أو يؤجل التعليم أو تأسيس مشروع صغير، ويحوّل الهاتف من أداة إنتاج ومعرفة إلى بوابة استنزاف مالي. فالتحول في أنماط الإنفاق يؤثر سلبًا على النمو على المدى المتوسط. كما أن الخسائر المتكررة تدفع بعض الأفراد إلى الاقتراض أو بيع أصول، ما يزيد من هشاشة الوضع المالي للأسر. لذلك، حتى لو كانت الكلفة الظاهرة محدودة كنسبة من الناتج المحلي، فإن كلفتها الاجتماعية والتنموية كبيرة لأنها تقع على رأس المال البشري الأردني نفسه.

أما على مستوى سوق العمل، فالتأثير أكثر تعقيدًا. القمار لا يخلق وظائف، بل قد يساهم بشكل غير مباشر في زيادة البطالة، من خلال تقليل الاستثمار والإنتاجية. الشاب الذي ينخرط في سلوكيات إدمانية كالقمار (وهو إدمان يضاهي في خطورته إدمان المخدرات) يفقد تدريجيًا قدرته على التركيز والعمل، ما ينعكس على أدائه المهني وفرصه المستقبلية. وهنا تتحول المشكلة من قضية فردية إلى عبء جماعي على الاقتصاد.

اجتماعيًا، تتداخل الأبعاد النفسية والاقتصادية. فالإدمان على القمار يرتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، وقد يؤدي إلى تفكك أسري أو انخراط في سلوكيات غير قانونية لتغطية الخسائر. هذه التكاليف غير المباشرة لا تظهر في الحسابات القومية، لكنها حقيقية ومؤثرة.

أمام هذه الصورة، يطرح سؤال جوهري: هل يكفي الحظر القانوني؟ التجربة تشير إلى أن الحظر وحده، في عصر الاقتصاد الرقمي، لم يعد كافيًا. فالتكنولوجيا تتجاوز الحدود، والرقابة التقليدية لا تستطيع ملاحقة تطبيقات ومنصات تتغير باستمرار. وهذا لا يعني بالضرورة الدعوة إلى تنظيم القمار، خاصة في مجتمع محافظ، بل يستدعي التفكير في مقاربة أكثر شمولًا وذكاءً.

الحل لا يكمن في خيار واحد، بل في مزيج من السياسات. أولًا، هناك حاجة لتعزيز الرقابة الرقمية، من خلال تتبع أنماط الدفع الإلكتروني المرتبطة بالقمار، والتعاون مع شركات التكنولوجيا لحجب التطبيقات والمواقع المشبوهة. ثانيًا، يجب العمل على مراقبة وتنظيم الألعاب الإلكترونية التي تحتوي على عناصر مقامرة، خاصة تلك الموجهة للشباب. ثالثًا، وربما الأهم، هو معالجة الجذور الاقتصادية. فالشباب الذين يمتلكون فرص عمل حقيقية، أو مسارات واضحة للتقدم المهني، هم أقل عرضة للانخراط في سلوكيات عالية المخاطر. هنا يأتي دور السياسات التشغيلية، ودعم ريادة الأعمال، وتوسيع برامج التدريب المهني.

كما أن التوعية تلعب دورًا محوريًا، لكن بشرط أن تكون واقعية ومبنية على فهم اقتصادي، لا مجرد خطاب وعظي. يجب أن يدرك الشباب أن القمار ليس وسيلة لتحقيق الثراء، بل آلية لإعادة توزيع الخسائر وزيادة الفقر، غالبًا على حسابهم.

في النهاية، يمكن القول إن القمار الإلكتروني في الأردن يمثل "نزيفًا صامتًا" لا يُرى بسهولة، لكنه يؤثر بعمق على الاقتصاد والمجتمع. تجاهل هذه الظاهرة قد يكون مكلفًا، ليس بالأرقام فقط بل بالمجتمع ومستقبل الأجيال أيضًا.