حين تصبح النفاية مرآةً للوعي
صباحٌ لا يليق به أن نبدأه بقبحٍ نرميه بأيدينا. ليست النفاية التي تُلقى على الأرض مجرد ورقة أو علبة؛ إنها إعلان صامت عن عقلٍ لم يتصالح بعد مع معنى الانتماء. الوطن لا يُهان دائمًا بالكلمات، أحيانًا يُهان بكيس قمامة يُترك تحت شجرة.
خاطرة مسائية
في المساء، حين تهدأ الأصوات وتنكشف الأشياء على حقيقتها، يصبح القبح أكثر وضوحًا. ليست المشكلة في نفايةٍ مرمية على طرف الطريق، ولا في علبةٍ تُترك تحت شجرة، ولا في كيسٍ يتدلّى من ذاكرة مكانٍ كان أجمل قبل أن تمرّ عليه يدٌ بلا ضمير. المشكلة أعمق من ذلك بكثير.
المشكلة أن هناك من يعيش في الوطن كما يعيش العابر في فندق رخيص؛ يستخدم المكان، يستهلك جماله، ثم يغادره ملوّثًا، كأنه لا ينتمي إليه. وهذا أبشع أنواع الفقر: فقر الوعي، وفقر الذوق، وفقر الإحساس بالمسؤولية.
من يرمي نفاياته في الطبيعة لا يرمي شيئًا خارج نفسه، بل يرمي جزءًا من صورته أمام الناس. يظن أنه تخلّص من قذارته، لكنه في الحقيقة نقلها من يده إلى شخصيته. فالأرض لا تتّسخ وحدها، بل تتّسخ معها الفكرة التي يحملها الإنسان عن ذاته.
والأقسى أن هذه الظاهرة لا يمارسها كل الناس، بل قلة تسيء إلى كثيرين. قلة تجعل المشهد العام يبدو أقل جمالًا مما هو عليه، وتحمّل المجتمع كله ثمن لحظة استهتار. فالجاهل حين يعبث بالمكان لا يترك أثرًا فرديًا فقط، بل يلطّخ صورة جماعية لا تخصه وحده.
إن من لا يحترم الشجرة التي يستظل بها، ولا الطريق الذي يمشي عليه، ولا الحديقة التي يجلس فيها، لا يحتاج إلى محاضرة طويلة عن الوطنية. يحتاج أن يقف أمام نفسه ويسأل: أي نوع من البشر أكون حين أترك خلفي قبحًا بدل أثر طيب؟
الحكمة أن الحضارة لا تُقاس بارتفاع الأبنية ولا باتساع الشوارع فقط، بل تُقاس بما يفعله الإنسان حين لا يراه أحد. هناك، في تلك اللحظة الصغيرة، حين تكون النفاية في يدك ولا توجد عين تراقبك، يظهر معدنك الحقيقي. إما أن تكون إنسانًا يحكمه الضمير، أو مجرد عابرٍ يحكمه الإهمال.
ليست النظافة ترفًا، وليست المحافظة على البيئة شعارًا موسميًا. إنها امتحان يومي للأخلاق. ومن يرسب في أبسط امتحانات السلوك، لا يحق له أن يطالب بصورة وطنية مشرقة وهو يشارك في تشويهها بيده.
يا من ترمي نفاياتك في غير مكانها: أنت لا تنتصر على التعب، ولا تختصر الطريق، ولا تفعل أمرًا بسيطًا كما تظن. أنت تعلن أن راحتك أهم من حق غيرك، وأن كسلك أقوى من احترامك، وأن لحظة إهمالك أغلى عندك من جمال بلدك.
الموعظة هنا واضحة: كل ما نرميه يعود إلينا بشكل آخر. نرمي القمامة في الطبيعة، فتعود إلينا تلوثًا، ومرضًا، وقبحًا، وسوء منظر، وانكسارًا في الذوق العام. لا شيء يختفي حقًا؛ الأشياء فقط تغيّر شكلها وتعود لتسألنا: ماذا فعلتم بالمكان الذي منحكم الحياة؟
فلنخجل قليلًا من الأرض التي تحملنا ولا تشتكي. فلنخجل من الأشجار التي تمنحنا الظل فنكافئها بالأكياس والعلب. فلنخجل من الأطفال الذين يتعلمون من أفعالنا قبل كلماتنا. ولنتذكر أن الوطن لا يحتاج فقط إلى من يمدحه في المناسبات، بل يحتاج إلى من لا يرمي أذاه على ترابه في الأيام العادية.
مساء الوعي لمن فهم أن النظافة ليست واجب عامل الوطن وحده، بل واجب كل صاحب ضمير.
ومساء الخجل لمن ما زال يظن أن النفاية حين تسقط من يده تنتهي قصتها؛ فهي لا تنتهي، بل تبدأ هناك… شاهدةً عليه.