ما بعد الترند اقتصاد التأثير... كيف نقرأ واقع المؤثرين في الأردن؟
في وقتٍ كانت فيه دبي تجمع أكثر من ألف صانع محتوى وخبير إعلامي لمناقشة صناعة تتجاوز قيمتها 250 مليار دولار عالميًا، لم يكن الحدث مجرد استعراض أرقام أو قصص نجاح، بل إعلانًا صريحًا عن تحوّل عميق في صناعة المحتوى التي لم تعد هامشًا في الاقتصاد؛ بل أحد محركاته.
هذا التحول يفرض على دول المنطقة، ومنها الأردن، مواجهة سؤال لم يعد يحتمل التأجيل:
هل نتعامل مع هذا القطاع كفرصة استراتيجية، أم كمساحة يجب ضبطها والحد منها؟
اللافت في الطرح الإماراتي لم يكن الحديث عن الشهرة، بل عن "الأثر” المعيار لم يعد عدد المتابعين، بل القدرة على إحداث تغيير فعلي في السلوك المجتمعي، هذا الفهم يعكس نضجًا في التعامل مع المحتوى كأداة قوة ناعمة، لا مجرد وسيلة ترفيه.
وفي المقابل، لا يزال جزء من المشهد الأردني يدور في فلك الأرقام السريعة، دون وجود منظومة واضحة تدعم المحتوى الذي يحمل قيمة مضافة.
المشكلة ليست في صناع المحتوى، بل في البيئة التي لم تُحدد بعد ما الذي تريد تشجيعه فعلًا.
خلال الفترة الماضية، شهد الأردن تسارعًا في إقرار أنظمة وتشريعات مرتبطة بالإعلام الرقمي، ورغم أهمية هذه الخطوة في تنظيم قطاع يتوسع بسرعة، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في بناء الثقة، لا في فرض النصوص.
نظام تنظيم الإعلام الرقمي لعام 2026، جاء ليضع إطارًا قانونيًا يميز بين المؤسسات والأفراد، مع تأكيدات رسمية بعدم استهداف الحسابات الشخصية، غير أن التجارب السابقة تجعل السؤال مشروعًا:
هل سيُطبّق بروح تنظيمية أم رقابية؟
في السياق ذاته، فإن فرض الضرائب على عوائد الإعلانات يعكس اعترافًا رسميًا بالمحتوى كقطاع اقتصادي، لكن هذا الاعتراف يفقد توازنه إذا لم يُرافقه تفهّم لخصوصية المراحل الأولى التي يمر بها صناع المحتوى.
أما قانون الجرائم الإلكترونية، فرغم ضرورته في حماية المجتمع من الانتهاكات الرقمية، فإنه يظل أحد أكثر الملفات حساسية، ذلك أن أي خلل في تطبيقه قد يحوّله من أداة حماية إلى أداة تقييد.
المقارنة مع دبي لا يجب أن تُختزل في الموارد أو البنية التحتية، بل في طريقة التفكير، هناك، يُنظر إلى صانع المحتوى كجزء من الاقتصاد الإبداعي، يتم دعمه وتطويره واستقطابه.
هنا، لا يزال التعامل معه في كثير من الأحيان ضمن إطار الحذر والرقابة، هذه الفجوة في الفلسفة تنعكس مباشرة على النتائج؛ فبين بيئة تقول "نثق بك ونستثمر فيك”، وأخرى تبدأ بـ نراقبك وننظمك، تتحدد وجهة القطاع.
وهنا يكمن سؤال مهم ما الذي ينقصنا؟
ليس المطلوب إعادة اختراع العجلة، بل إعادة ترتيب الأولويات
الانتقال من منطق الرقابة إلى منطق التحفيز
توفير مساحات حوار حقيقية مع صناع المحتوى عند صياغة السياسات
تقديم حوافز ضريبية مرحلية تدعم الاستمرارية بدل إنهاك البدايات
الاستثمار في المحتوى الهادف كجزء من منظومة التنمية، لا كملف ثانوي
دبي لم تقدم نموذجًا للنسخ، بل تجربة تستحق قراءة جدية، أما الأردن، فهو اليوم أمام لحظة مفصلية؛ إما أن يتعامل مع صناعة المحتوى كفرصة لبناء اقتصاد رقمي حديث، أو أن يبقى في موقع رد الفعل، يلاحق التحولات بدل أن يشارك في صناعتها.
في النهاية، لا تعاني الساحة الأردنية من نقص في المواهب أو الأفكار، بل من غياب بيئة واضحة المعالم، تمنح الثقة قبل أن تفرض القيود، وبين دعمٍ يفتح الأبواب، وتنظيمٍ قد يغلقها…