موسكو حذّرت طهران من حرب تدميريّة؟!
ما يُثار بشأن رسائل روسيّة محتملة إلى إيران لا يمكن اختزاله في إطار تواصل دبلوماسيّ محدود لأنّ ما يتشكّل في الخلفيّة أوسع من تبادل مواقف بين عاصمتين. هناك شعور متصاعد في دوائر القرار بأنّ المنطقة تقف أمام طور جديد، وأنّ ما يجري لا يرتبط بإمكانيّة تجدّد القتال فقط، بل باحتمال تغيير طبيعة الصراع نفسه. لهذا تبدو الأسئلة المطروحة عن مضمون الرسالة الروسيّة مرتبطة بجوهر المرحلة المقبلة لا بتفاصيلها.
لا يبدو مرجّحاً أنّ موسكو أبلغت طهران بأنّ الحرب ستندلع في جولة ثانية خلال موعد محدّد، فالدولة الروسيّة لا تتعامل بهذا الأسلوب المباشر مع ملفّات بهذا الحجم. الأرجح أنّها نقلت تقويماً يفيد بأنّ الهدوء القائم لا يحمل عناصر استقرار حقيقيّ، وأنّ إسرائيل ربّما تتعامل معه كفترة لإعادة تنظيم قدراتها قبل معاودة القتال. هذا بحدّ ذاته رسالة بالغة الحساسيّة لأنّها لا تدعو إلى ردّ فعل انفعاليّ، بل إلى مراجعة حسابات الردع والتعامل مع احتمالات كانت توضع سابقاً في خانة الاحتمالات البعيدة.
ضمن هذا الإطار، برز حديث عن احتمال أن تكون الرسالة تضمّنت تنبيهاً يتعلّق باستخدام وسائل غير تقليديّة ضدّ إيران، أو حتّى سيناريوات تتّصل بأسلحة ذات أثر تدميريّ واسع. لا توجد دلائل موثّقة تؤكّد وجود تحذير روسيّ بهذه الصيغة، لكنّ تداول مثل هذه الفرضيّات في بعض التقديرات الدوليّة يعكس انتقال النقاش من مستوى إدارة الاشتباك إلى مستوى التفكير في كسر قواعده. هذا التحوّل في حدّ ذاته لا يمكن تجاهله لأنّه يعني أنّ الخطوط التي كانت تضبط حدود الصراع لم تعد راسخة كما كانت.
ليست باكستان وسيطاً محتملاً وحسب، بل طرف يمتلك وزناً رمزيّاً خاصّاً في الحسابات الإيرانيّة
هنا يظهر سؤال عمّا تستطيع موسكو تقديمه فعليّاً لطهران. الواضح أنّ الأمر لا يتعلّق بتدخّل مباشر، فروسيا ليست في موقع يسمح لها بإطلاق مواجهة جديدة، لكنّها تستطيع أن تمنح إيران أدوات صمود إضافيّة، منها:
1- المعلومات والإنذار المبكر، وهو عنصر قد يغيّر موازين التصرّف في لحظات حرجة.
2-دعم تقنيّ يتعلّق بتحسين القدرة الدفاعيّة وإدارة التهديدات المركّبة.
3- الغطاء السياسيّ، أي الحيلولة دون تحوّل أيّ تصعيد إلى إجماع دوليّ يسمح بتوسيع الضغوط إلى حدود تهدّد بنية النظام الإيرانيّ نفسها.
ماذا عن المصالح الرّوسيّة؟
لكنّ روسيا تتحرّك دائماً وفق توازن مصالحها، لا وفق منطق الحماية المجّانيّة. هي معنيّة بألّا تُكسر إيران، لكنّها ليست معنيّة بأن تتحوّل إلى قوّة مستقلّة عن حاجتها إلى موسكو. لذلك يبقى ما تقدّمه مضبوطاً بسقف يخدم هذا التوازن لا أكثر.

من هذه الزاوية، تكتسب زيارة عبّاس عراقجي لإسلام آباد دلالة مختلفة. لا تتعلّق المسألة بذهابه حاملاً قبولاً بالتفاوض مع واشنطن، بل بتحرّكه لبناء مسار موازٍ للتفاوض من دون إعلان ذلك. يوحي اختيار باكستان بأنّ طهران تبحث عن قناة تتيح إدارة الرسائل بعيداً عن المسارات التقليديّة، وتمنحها هامش حركة من دون الظهور في موقع من يطلب تسوية تحت الضغط.
هناك بعد آخر لا يمكن إغفاله. ليست باكستان وسيطاً محتملاً وحسب، بل طرف يمتلك وزناً رمزيّاً خاصّاً في الحسابات الإيرانيّة. قد يكون الحضور هناك في هذا التوقيت رسالة تتعلّق بتوسيع دوائر الردع السياسيّ أو اختبار شبكة تفاهمات قد تُستخدم إذا اتّجهت الأزمة إلى مستوى أكثر خطورة.
عليه، ربّما ما حمله عراقجي لم يكن عرضاً للتفاوض، بل محاولة لترتيب ما يسبق أيّ تفاوض محتمل.
روسيا تتحرّك دائماً وفق توازن مصالحها، لا وفق منطق الحماية المجّانيّة. هي معنيّة بألّا تُكسر إيران
يتوقّف المشهد المقبل على الكيفيّة التي ستتطوّر بها هذه الحسابات. إذا عاد الصراع فليس بالضرورة أن يعود بالشكل الذي عُرف في الجولات السابقة. أحد الاحتمالات أن نشهد عودة لمواجهة محدودة يمكن احتواؤها ضمن سقف مضبوط. احتمال آخر أن تنتقل الضربات إلى البنية الاستراتيجيّة، بما يشمل الطاقة والممرّات الحيويّة، فتتّسع رقعة الصدام إقليميّاً. أمّا الاحتمال الأخطر فهو سقوط قواعد الردع ودخول المنطقة في صراع مفتوح تتبدّل فيه الأدوات والأهداف معاً.
صراع مفتوح؟
في هذا الاحتمال الأخير، لا يعود الأمر متعلّقاً بضربات متبادلة فقط، بل باختبار قدرة كلّ طرف على تحمّل التصعيد. قد تدخل أدوات لم تكن مطروحة سابقاً، من عمليّات تعطيل واسعة للبنى الحيويّة إلى وسائل ضغط يصعب احتواء آثارها. هنا تحديداً تكمن خطورة الحديث عن المرحلة المقبلة لأنّ المخاوف لا تتعلّق بإمكانيّة الحرب فقط، بل بشكلها المقبل الذي قد يكون مختلفاً جذريّاً.
المعضلة أنّ كلّ طرف يقرأ اللحظة الراهنة من زاوية مختلفة. قد تنظر إليها إسرائيل كفرصة للاستعداد. تراها إيران مساحة لإعادة التموضع. تختبر واشنطن عبرها حدود الضغط. وتراها روسيا زمناً يجب استثماره قبل انكشاف المسار. عندما تتعدّد هذه القراءات، تصبح المرحلة الحاليّة بذاتها جزءاً من التوتّر لا فاصلاً عنه.
في المحصّلة، قد لا تكون الرسالة الروسيّة إنذاراً بموعد حرب، لكنّها تبدو أقرب إلى تنبيه إلى أنّ البيئة المحيطة بالصراع تغيّرت، وأنّ إدارة المرحلة المقبلة تحتاج إلى أدوات مختلفة. هذا ما يمنح تحرّكات طهران، سواء نحو موسكو أو إسلام آباد، معنى يتجاوز الدبلوماسيّة ويقترب من إدارة خطر يجري التهيّؤ له قبل أن يقع.
لا يبدو مرجّحاً أنّ موسكو أبلغت طهران بأنّ الحرب ستندلع في جولة ثانية خلال موعد محدّد
سيتحدّد المسار خلال الفترة المقبلة وفق سؤال واحد: هل يُستخدم الوقت المتاح لصناعة مخرج سياسيّ أم يجري التعامل معه كمهلة قبل مواجهة أكبر؟
إذا غلب الخيار الثاني فقد لا تكون المنطقة أمام جولة جديدة فقط، بل أمام اختبار تاريخيّ يعيد تشكيل خرائط القوّة وحدود الردع.
هنا يكمن جوهر المسألة، وذلك ليس لأنّ الحرب مؤكّدة، بل لأنّ الجميع يتصرّف على أساس أنّ احتمالها قائم، وهذا وحده كفيل بأن يجعل الاحتمال نفسه عاملاً دافعاً نحو التصعيد.