ما يجري ليس صدفة أو عن حسن نية
منذ انطلاق ما سمي بالربيع العربي قبل ما يقارب الـ 15سنة ومنطقتنا تعيش حالة من عدم الاستقرار وتدور بمخاضات أقرب إلى الغليان. وما إن اندلعت تلك الأحداث وأسفر عنها ما اسفر من نتائج وكأنها لعنة حطت على منطقتنا فما إن نخرج من أزمة نجد أنفسنا وسط أخرى أكبر وأخطر منها.
بعد حالة الفوضى والاقتتال التي عاشتها بعض الأقطار والبلدان العربية نتيحة الأحداث وعبث الحاقدين، أو من هم وراء بعضها حيث راح ضحيتها الآلاف من أبناء أمتنا، الأمر الذي أتاح أو أعطى فرصة للتدخلات الخارجية في شؤونها سعيا لتوسيع نفوذها وتحقيق مصالحها وتنفيذ خططها؛ الأمر الذي زاد الطين بلة وأوجد معادلة أكثر تعقيدا.
وكان الجميع يسعى إلى مصالحه على حساب أمننا واستقرار منطقتنا عبر أذرع كانت تدفع بالفتنة وتأجيج نار الانقسام حسب ما يصدر لها من تعليمات وأوامر.
وما إن بدأت أمور البعض تميل إلى الاستقرار وتزيد الأخرى اشتعالا، حلت بنا والعالم أجمع جائحة كورونا التي أتت على الأخضر واليابس دون أن تبقي أو تذر.
جائحة استمرت ثلاث سنوات عجافا جعلت العالم معزولا على الرغم مما يمتلكه من إمكانيات ووسائل حديثة، الا أن الخوف فرض حالة من العزلة ومنع الاتصال والتواصل.
ولم يقف الأمر هنا بل استمرت التحديات والأزمات رفيقة منطقتنا حيث حلت بغزة وفلسطين مصيبة بعد أن شنت دولة الاحتلال الإسرائيلي حربا على قطاع غزة بعيد أحداث عملية الأقصى قتلت خلالها البشر والحجر وفرضت على القطاع حصارا لم يشهد له التاريخ الحديث مثالا، وذلك بعد أن دمرت كل شيء وجعلت من قطاع غزة أرضا غير صالحة للعيش.
يعيش سكانها بالعراء أو خيام مهترئة وسط بيئة ملوثة وغياب الغذاء والدواء وانعدام أبسط مقومات الحياة.
وما إن بدأ العالم يقف على هول الصدمة ويحاول استيعابها وتأمين أبسط مقومات الحياة لأهل غزة بعد أن دمرت بعض مخيمات الضفة دخلنا بدوامة الحرب على لبنان وجنوب بيروتها من قبل دولة الاحتلال التي وجدت دعما أمريكياً غير مسبوق؛ الأمر الذي دفعها لاغتنام الفرصة لفرض واقع جديد في الشرق الأوسط تحت شعار حرب وجودية.
وأمام الغطرسة الصهيونية التي أخذت تضرب يمينا وشمالا من فلسطين وغزة ولبنان واليمن لم نر أي مشروع عربي موحد او تدابير استباقية توقف الأطماع الصهيونية التي دفعتها نحو حرب الـ 12 يوما على إيران دمرت خلالها البنية التحتية للصناعات النووية بما فيها العشرات من علمائها ومختصيها.
وأيضا لم يدرك البعض أو يتنبه إلى الخطر القادم من الغرب ايضاً التي كانت تستخدم دولة الاحتلال لتحقيق مصالحها التي بدأت تتكشف الآن حيث اكتفت بالصمت احيانا أو الدعوات لوقف التصعيد.
وبحجة النووي والقضاء على الأطماع الإيرانية بصناعة قنبلة نووية مزعومة، بدأت البوارج العسكرية وحاملات الطائرات الأمريكية والقوات العسكرية بأعداد غير مسبوقة تحط في منطقتنا بعد أن أفشل الأمريكان المفاوضات مع إيران عمدا وقصدا أكثر من مرة، وذلك للهدف نفسه وهو السيطرة على مقدرات المنطقة كلها لا بعضها أو جزءا منها؛ لأن ترامب لا يقبل بأنصاف الحلول بل بكل شيء، مستغلا غياب مشروع موحد أو تحالف موازٍ، بعد أن أرعب البعض بعملية أقرب إلى البلطجة وشغل العصابات باعتقال زعيم دولة بعملية تخالف جميع الأعراف الدولية.
كل هذه الخطوات والإجراءات الابتزازية قد تمت أمام أعين الجميع، وقد بدأت بأوروبا الذي أشغلها بحرب مع الروس قبل أن ينتقل إلى منطقتنا ليمارس الابتزاز نفسه لكن بطريقة مختلفة، مع أن الهدف واحد وهو السيطرة على المقدرات، ومع أنها جرت أمام أعين الجميع إلا أننا لم نستفد من الدرس ولم نتحضر له جيدا.