محمد صلاح… حين تُهزم المسافات وتنتصر الأخلاق قبل الأهداف.
بعيدًا عن ضجيج السياسة وتقلباتها، تبقى بعض القصص الإنسانية قادرة على أن تجمع الناس حول قيمة واحدة: الاحترام ومن بين هذه القصص، تبرز حكاية اللاعب المصري محمد صلاح، ليس فقط كنجم كروي لامع، بل كإنسان ترك أثرًا يتجاوز حدود الملعب.
أتابع كرة القدم الإنجليزية منذ أيام الشباب، لكن علاقتي بليفربول أخذت منحنى مختلفًا منذ انضمام محمد صلاح، أو كما تناديه جماهير النادي بحب: "مو صلاح” ، لم يكن مجرد لاعب يسجل الأهداف ويصنع الفارق، بل كان حالة متكاملة من الالتزام، التواضع، والاحترام. لاعب يركض في الملعب بروح المقاتل، وخارجه يمشي بخطى إنسان يعرف جيدًا من هو، ومن أين جاء.
قد يرحل صلاح هذا الصيف إلى وجهة لم تتضح ملامحها بعد، لكن ما هو مؤكد أن بصمته في إنجلترا لن تُمحى بسهولة ، لم يكسب قلوب الجماهير بمهارته فقط، بل بأخلاقه العالية، وابتسامته الصادقة، وتعاملاته الراقية مع زملائه، ومع كل من يلتقيه في شوارع المدينة التي احتضنته.
كان سفيرًا استثنائيًا لبلاده، ونموذجًا مشرّفًا للاعب العربي المسلم الذي لم تذبه الغربة، ولم تأخذه أضواء الشهرة بعيدًا عن قيمه وأخلاقه ، حافظ على بساطته، وعلى ارتباطه بجذوره، فقدم صورة مختلفة، نقية، وملهمة ، وربما ما فعله صلاح في هذا الجانب، عجز عنه كثيرون ممن أتيحت لهم نفس الفرصة، لكنهم فقدوا البوصلة في زحام الحياة.
ومن أجمل المشاهد التي تختصر هذه القصة، تلك الأم الإنجليزية التي طلبت توقيع صلاح لابنها، والتقطت صورة معه، ثم كتبت لاحقًا أن طفلها يحب "مو صلاح” أكثر منها، وأنه لم ينم من شدة الفرح بعد لقائه ، لحظة بسيطة، لكنها تختزل حجم الأثر الذي تركه هذا اللاعب في قلوب الناس.
محمد صلاح لم يكن مجرد نجم في الدوري الإنجليزي، بل كان قصة نجاح إنسانية، وبصمة أخلاقية ستبقى حتى بعد رحيله ، ومن القلب، شكرًا له على هذا الانطباع الجميل الذي رسمه في أذهان الجمهور البريطاني، وفي قلوب كل من تابع رحلته.
ليت هذه التجربة تكون قدوة لكل لاعب عربي يحمل اسم بلاده في الملاعب العالمية، فالموهبة قد تصنع نجومية، لكن الأخلاق وحدها تصنع الخلود.