مفاوضات على حافة المحاور.. أين يقف لبنان؟
لا تقف خطورة اللحظة اللبنانية الراهنة عند حدود فتح باب التفاوض مع إسرائيل، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتصل بتموضع لبنان المستقبلي في الإقليم. فلبنان، الذي عاش منذ عقود تحت وطأة تأثيرات خارجية متراكبة (أميركية سورية سعودية، أميركية إيرانية، أميركية-إسرائيلية إلخ..) يجد نفسه اليوم أمام مفترق شديد الحساسية: هل تقود المفاوضات الحالية إلى استعادة القرار الوطني وبناء دولة قادرة على إدارة الحرب والسلم باسم جميع اللبنانيين، أم تدفعه، تحت ضغط النار والانقسام الداخلي، من التأثير الإيراني إلى التموضع في الجهة الإسرائيلية؟
تنبع خطورة هذا السؤال من أن السيادة لا تُقاس فقط بالخروج من محور معيّن، بل بعدم الدخول في محور مقابل. فلبنان الذي يتحرر من فائض التأثير الإيراني ليقع تحت هندسة أمنية إسرائيلية، لا يكون قد استعاد سيادته، بل يكون قد بدّل موقع الارتهان. لذلك، لا تكفي الدعوة إلى التفاوض كي تبدو خيارًا وطنيًا مكتملًا؛ ولا يكفي رفض التفاوض كي يتحول إلى استراتيجية. المسألة الأعمق هي: من هو لبنان الذي يفاوض؟ وبأي سلة داخلية؟ وبأي ميزان قوة؟ وبأي ضمانات؟
ماذا يقول عون وقاسم؟
هذه المقاربة قد تكون مفهومة من زاوية بناء الدولة، لكنها لا تصبح كافية ما لم تُقرن بتوافق داخلي واسع، لأن التفاوض مع إسرائيل في لبنان ليس ملفًا حدوديًا أو تقنيًا فقط، بل ملف ميثاقي يمس موقع البلد، وتوازن طوائفه، ومصير الجنوب، ومعنى الحماية بعد عقود من الحروب.
في المقابل، جاء بيان الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ليقدّم قراءة مختلفة لمصدر القوة. فقد شدّد على أن وقف إطلاق النار لا يمكن أن يكون من طرف واحد، وأن المقاومين سيبقون في الميدان ويردّون على الخروقات الإسرائيلية، وأكد قاسم أن حزب الله منفتح على التعاون مع الدولة اللبنانية في مرحلة جديدة تقوم على الوحدة الوطنية، ومنع الفتنة، ووضع إستراتيجية للأمن الوطني تستثمر عناصر القوة، مع رفض أي وصاية خارجية أو استثمار إسرائيلي سياسي في الداخل اللبناني.
هنا يظهر جوهر التباين: خطاب الرئيس يجعل السيادة مرادفة لحصرية القرار بيد الدولة، فيما يجعل خطاب قاسم السيادة مشروطة بميزان ردع يمنع إسرائيل من فرض شروطها. الأول يريد نقل لبنان من شرعية الميدان إلى شرعية الدولة، فيما يخشى الثاني أن تتحول الدولة، إذا فاوضت بلا قوة، إلى ناقل لشروط خارجية. وبين الخطابين تتشكل العقدة اللبنانية: كيف يمكن بناء دولة واحدة من دون إنكار القوة التي أنتجتها المقاومة؟ وكيف يمكن الحفاظ على قوة ردع من دون بقاء الدولة ناقصة السيادة؟
وماذا تقول الوقائع؟
لكن هذه الوقائع لا تُقرأ من جهة واحدة. فقد أثبتت المقاومة في المواجهة البرية الأخيرة، وطوال حرب 2026، أنها لم تتحول إلى قوة مستهلكة أو عاجزة، بل أظهرت قدرة على الثبات وإعادة إنتاج حضورها بما يتوافق مع مقتضيات المرحلة الجديدة والاستفادة من دروس وعِبر حرب العام 2024، أمنيًا وعسكريًا. بقيت المقاومة تقاوم طوال أربعين يوماً في قرى الحافة الأمامية واستخدمت مستويات متعددة من النيران والصواريخ، بما يؤكد أنها ما تزال تملك قدرة فعلية على التأثير في الميدان.
لا يعني ذلك أنها خرجت بلا خسائر، ولا أن قدراتها بقيت على حالها، لكنه يعني أنها ما تزال طرفًا وازنًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية. وهذا هو المعطى المركزي: المقاومة لم تعد مجرد عنوان أيديولوجي، بل عنصر حاسم في معادلة الجنوب، وأي هندسة سياسية أو أمنية تتجاهل هذا الوزن ستكون ناقصة وقابلة للانفجار.
أين مصر والسعودية وتركيا؟
لكن الأهم هو الدفع نحو ترتيب البيت الداخلي قبل أي اتفاق. فالسلة الداخلية ليست ترفًا، بل شرط ميثاقي يحدد سقف التفاوض: الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وقف الاعتداءات، عودة الأهالي، حماية السيادة، ورفض تحويل الجنوب إلى منطقة أمنية إسرائيلية، وربط أي بحث في السلاح باستراتيجية دفاعية وطنية لا بإملاءات خارجية.. والأهم عند المصريين الحفاظ على السلم الأهلي اللبناني.
بالمقابل، يتفق السعوديون والأتراك على أنه ليس من مصلحتهما بقاء لبنان في دائرة التأثير الإيراني، لكن ذلك لا يعني قبولهم انتقاله إلى الجهة الإسرائيلية. فقد رحبت السعودية بوقف إطلاق النار، وأكدت دعمها لاستعادة الدولة اللبنانية سيادتها وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية. أما تركيا، فقد أدانت الهجمات الإسرائيلية على لبنان، وأكدت دعمها الواضح لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، ودعت إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية. بدوره، رحب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، بإعلان وقف إطلاق النار في لبنان، معربا عن أمله في أن يمهد هذا التطور الطريق نحو سلام مستدام في المنطقة، وأكد دعم بلاده الثابت لسيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه