صينية السمسم


في طفولتنا، لم تكن الحلويات مجرد طعام، بل ساحة معركة تُقاس فيها الهيبة بحجم الصينية، ويُحسم فيها المجد بطعمٍ لا يُنسى. ولكل بيتٍ حكاية، لكن بعض الحكايات تُروى بطعم السكر، وتُحفظ في الذاكرة كجريمة لذيذة لا يعترف صاحبها بالندم. وبين رائحة السمسم الساخن ودفء الحارة، وُلدت واحدة من أخطر مغامرات الطفولة… مغامرة بدأت بتذوّق بسيط، وانتهت بأسطورة عائلية.                    الحارة لم تكن مجرد مساحة للعب، بل ميدانًا مفتوحًا للتحدّي والمباهاة. كنا نتحدى أبناء الجيران لا بقوة العضلات، بل بإمكانيات والدتنا "الحجّة" – حفظها الله – الخارقة في صناعة أربعة أنواع من الحلويات الشعبية: العوّامة، والشعيرية، والحلبة، والسمسمية. وكانت هذه الحلويات بمثابة وثائق رسمية نُثبت بها تفوقنا الاجتماعي، فلا كلمة تعلو فوق كلمة الصينية.

غير أن للسمسمية حكاية مختلفة، حكاية جميلة ومخجلة في آنٍ واحد. فقد كان والدي، رحمه الله، يزرع السمسم في مواسمه على أطراف منطقة القسّام في بطنا. والسمسم – كما يعلم الجميع – يُستخدم في تحضير الزعتر، لكن هذا لم يكن يعني لنا نحن الأطفال شيئًا. ما كان يهمّنا حقًا هو تلك الصينية الذهبية التي تتوّج الموسم: صينية السمسمية، ذلك النوع من الحلوى الذي يفوق بطعمه أجود الحلويات في العالم.

في أحد مواسم السمسم، جهّزت لنا الوالدة صينية متوسطة الحجم، ووضعتها في الحوش على شباك المطبخ لكي تبرد. مررتُ من أمام المطبخ، فهاجمتني رائحة أسطورية لا تُقاوَم. اقتربتُ بخلسة من الشباك، ونظرتُ إلى الصينية نظرة لهفة وشوق، وتخيلت الطعم وهو يذوب تحت أسناني. عندها اتخذتُ قرارًا فوريًا لا يعرف التردد: سأذوقها وهي طرية وساخنة.

أحضرتُ ملعقة، وبدأت الأكل بخطة ذكية: من الأطراف، ثم الجوانب، حتى لا يظهر النقص سريعًا، وصولًا إلى المنطقة الأخطر والأشهى، وسط الصينية. دقائق قليلة، واكتشفتُ أن "التذوق” تحوّل إلى عملية استهلاك كاملة، ولم يبقَ إلا القليل. وهنا، وبدل التراجع، اتخذتُ قرارًا ثانيًا أكثر تهورًا: إكمال المهمة حتى النهاية، مهما كلفني الأمر من لوم أو بهدلة، أو حتى عقاب من أصحاب القرار في البيت. ولم تمضِ نصف ساعة حتى كانت الصينية فارغة، وقد قمتُ أيضًا بلعق بقايا القطر من الصينية بأصابعي الخمس، كأنها لم تكن.

وبعد تنفيذ العملية بكل سلاسة ونجاح، خرجتُ للعب في الحارة وكأن شيئًا لم يحدث، متسلحًا ببراءة مصطنعة. لكن الحقيقة لا تختبئ طويلًا؛ وكان أول من اكتشف فعلتي أخي الأوسط "عادل"، الذي سارع إلى إبلاغ الوالدة. اكتفت – حفظها الله – بفركة أذن خفيفة، وكأنها تقول: "هذه آخر مرة”… وأنا أعلم، وهي تعلم، أنها ليست الأخيرة.

وفي اليوم نفسه، حضرت الوالدة صينية أخرى لإخوتي، غير أن تلك الصينية لم تغب يومًا عن ذاكرتهم، وبخاصة ذاكرة أخي الحبيب عادل. إنها الصينية التي لم يأكلوا منها، والتي تحولت مع الزمن إلى "أسطورة عائلية" تُستدعى في كل مناسبة، وتُرمق نحوي معها نظرات اتهام صامتة.

وهكذا تبقى صينية السمسم أكثر من مجرد حلوى؛ ذكرى دافئة تختصر طفولة كاملة، نعود إليها كلما حضر طعمها فنبتسم. ومع ذلك، يبدو أن تهمة "الصينية المفقودة” لا تسقط بالتقادم، فما زلت أواجه نظرات الشك وكأن الجريمة حدثت البارحة! وربما، في النهاية، لم تكن الحكاية عن صينية سمسم بقدر ما كانت عن براءة الطفولة، حين كانت اللحظات الصغيرة تصنع أكبر وأجمل الذكريات.