فانس وقاليباف وعاصم منير.. ثلاثة رجال يرتبط مستقبلهم السياسي بمحادثات إسلام أباد
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، أنّ وفدًا أميركيًا سيتوجه إلى العاصمة الباكستانية إسلام أباد هذا الأسبوع لاستئناف المباحثات مع إيران.
وكتب ترمب على منصته "تروث سوشال" أنه سيطرح على إيران ما وصفه بـ"اتفاق عادل ومعقول للغاية"، معربًا عن أمله في أن تقبله طهران، وإلا فإن بلاده "ستدمر كل محطة كهرباء وكل جسر في إيران". كما هدّد بتدمير إيران بأكملها إذا لم تقبل الاتفاق المعروض عليها، في تصريحات أدلى بها لشبكة "فوكس نيوز".
وعقدت الولايات المتحدة وإيران الجولة الأولى من المحادثات المباشرة بينهما في إسلام أباد يومي 11 و12 أبريل/ نيسان الحالي، من دون التوصل إلى اتفاق.
ورغم أن ترمب قال إن نائبه جي دي فانس لن يترأس الوفد إلى المحادثات "لأسباب أمنية"، وهو ما نفاه البيت الأبيض لاحقًا قائلًا إن فانس سيقود المحادثات مجددًا، فإن محادثات إسلام أباد أبرزت أدوار ثلاثة رجال تصدروا المشهد عالميًا، وأصبح مستقبلهم السياسي نفسه رهنًا بنجاحها أو فشلها، وهم:
* نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس
* رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف
* قائد الجيش الباكستاني عاصم منير
ويمكن تصنيف الرجال الثلاثة في خانة "الرجل الثاني" في بلدانهم، سواء على مستوى التراتبية البروتوكولية في حالة فانس، بصفته نائبًا للرئيس، أو من حيث الدور الفعلي داخل دوائر القوة والنفوذ في بلدانهم، في حالتي قاليباف ومنير.
فانس.. من معارض للحرب إلى مفاوض لإنهائها
خاض الوفد الأميركي نحو 21 ساعة من المحادثات مع الوفد الإيراني في إسلام أباد يومي 11 و12 من الشهر الحالي، وقال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في نهايتها إنها لم تسفر عن اتفاق.
وأوضح فانس، من إسلام أباد في 12 من الشهر الحالي، أنه قدّم للإيرانيين ما وصفه بـ"العرض النهائي والأفضل"، مضيفًا أن الخلاف الأساسي يتمحور حول الأسلحة النووية، قائلًا:
"السؤال البسيط هو: هل نرى التزامًا أساسيًا بالإرادة لدى الإيرانيين بعدم تطوير سلاح نووي، ليس الآن فحسب، ولا بعد عامين فقط من الآن، وإنما على المدى الطويل؟ لم نر ذلك حتى الآن، ونأمل أن نراه".
وبذلك انتقل فانس من موقع المعارض للتورط العسكري إلى موقع المفاوض الذي يُطلب منه انتزاع مخرج سياسي من حرب كان قد حذّر أصلًا من كلفتها وتداعياتها.
واعتُبر عدم التوصل إلى اتفاق مع إيران في الجولة الأولى من المحادثات فشلًا شخصيًا لفانس، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة ترمب في الانتخابات الرئاسية عام 2028.
وزادت من وطأة تعثر محادثات إسلام أباد، هزيمة رئيس الوزراء المجري اليميني فيكتور أوربان في الانتخابات التشريعية أمام منافسه بيتر ماجيار، زعيم حزب "تيسا"، ما زاد من حجم الضرر الذي أصاب صورة فانس بعد "صورة المتنمر" التي كرسها خلال استقبال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض في فبراير/ شباط 2025.
فشل محادثات إسلام أباد وهزيمة أوربان
كان يمكن أن يُلقى باللوم في هزيمة أوربان على الإدارة الأميركية من دون الزج بفانس فيها، لولا أن الأخير كان رأس الحربة في مناصرة رئيس الوزراء المجري الذي يتبنى موقفًا متشددًا من الهجرة واللاجئين مشابهًا لموقف الرئيس الأميركي.
فقد زار فانس العاصمة المجرية بودابست في السابع من الشهر الجاري، قبل أيام قليلة من انتخاباتها التشريعية، دعمًا لأوربان. وبعد خسارة الأخير، ربط كثيرون هذه الهزيمة بصورة فانس، الذي يُعد داخل فريق ترمب أحد أبرز المؤيدين للأحزاب اليمينية المتشددة في أوروبا.
وبنى فانس، الذي خدم في صفوف مشاة البحرية الأميركية خلال حرب العراق، رصيده السياسي على مناهضة التدخل الخارجي، والسعي إلى إبعاد الولايات المتحدة عن أي حروب جديدة، وكان من أشد المعارضين للحرب على إيران.
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، فقد جاهر فانس، خلال النقاشات التي سبقت الحرب، بمواقف مناهضة للعمل العسكري، محذرًا من أنه قد يسبب فوضى إقليمية، ويُحدث انقسامًا داخل القاعدة الشعبية المؤيدة لترمب.
ومن شأن استمرار ترؤس فانس المحادثات مع طهران أن يربط مستقبله السياسي بها، خاصة أن نجاحها قد يُحسب لإدارة ترمب أولًا، وقد يُعاد الفضل فيه جزئيًا إلى فانس.
وفي المقابل، قد يكون من صالح كثيرين داخل الإدارة الأميركية، ومن بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، اعتبار فشل هذه المحادثات، إن حدث، فشلًا شخصيًا لفانس، ما قد يؤثر في فرصه في انتخابات 2028.
عاصم منير.. المشير المفضّل لترمب
على الجانب الباكستاني، يبرز قائد الجيش عاصم منير الذي كان في مقدمة مستقبلي الوفدين الأميركي والإيراني لدى وصولهما إلى بلاده في العاشر والحادي عشر من هذا الشهر، لعقد أول مفاوضات مباشرة بينهما منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران في نهاية سبعينيات القرن الماضي.
وتمنح هذه المحادثات منير فرصة نادرة لتظهير نفسه وسيطًا إقليميًا لا مجرد قائد عسكري نافذ. فهو كان في صلب الجهد الذي جعل إسلام أباد منصة اتصال بين واشنطن وطهران، كما حضر بقوة في الاتصالات اللاحقة وفي مساعي تثبيت القناة التفاوضية رغم تعثر الجولة الأولى.
وبما يعكس ذكاءً في بناء صورته في الداخل والخارج، استقبل منير الوفد الإيراني مرتديًا بزته العسكرية، فيما استقبل الوفد الأميركي بملابس مدنية.
وفي هذا التوظيف للزيين، بدا أن الجنرال منير يعرف ما يسعى إليه في مقبل الأيام داخل بلاده على الأقل، فمن شأن نجاح محادثات إسلام آباد أن يمهد الطريق أمامه إلى مستقبل سياسي رفيع المستوى، يخلع بعده زيه العسكري ويرتدي المدني، على غرار أسلافه من الجنرالات الذين تولوا حكم البلاد بانقلاب أو بوسيلة أخرى.
فقد حكم الجيش باكستان بشكل مباشر لما يقرب من نصف تاريخها، عبر سلسلة من الانقلابات منذ حصولها على الاستقلال عام 1947، بينما تحكم بمفاصل السلطة من خلف الستار في السنوات المتبقية.
حصانة مدى الحياة للجنرال منير
وُلد عاصم منير في روالبندي عام 1968 لأب كان إمام مسجد ومديرًا لإحدى المدارس، وعلى عكس معظم القادة العسكريين، تلقى تعليمه في مدرسة دينية ويحفظ القرآن.
وتخرج منير من مدرسة فوجي في اليابان، وكلية القيادة والأركان في كويتا، وكلية القوات المسلحة الماليزية في كوالالمبور، وجامعة الدفاع الوطني في إسلام آباد، حيث حصل على درجة الماجستير في السياسة العامة وإدارة الأمن الاستراتيجي.
تدرج منير في المناصب داخل الجيش حتى أصبح قائده العام منذ عام 2022، وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 أُجري تعديل على الدستور الباكستاني عزز نفوذه ومنحه حصانة مدى الحياة.
وبموجب التعديل، أصبح منير "قائد قوات الدفاع"، ما يجعله قائد القوات البرية والجوية والبحرية.
وتدرج منير في مناصب عدة، من أبرزها قيادة الاستخبارات العسكرية، كما قاد جهاز الاستخبارات الخارجية "آي إس آي"، لكن رئيس الوزراء السابق عمران خان أعفاه من منصبه هذا عام 2019. وبعد إطاحة البرلمان خان، كلّفه رئيس الوزراء شهباز شريف قيادة الجيش.
وبرز منير في الواجهة بشكل كبير بعد الاشتباكات بين بلاده والهند العام الماضي، ورُقي إلى رتبة مشير.
ولم يسبق أن مُنحت هذه الرتبة سوى مرة واحدة في تاريخ الجيش الباكستاني، وذلك للديكتاتور الراحل محمد أيوب خان، الذي تولى الحكم بانقلاب عسكري عام 1958.
ورافق عاصم منير رئيس الوزراء شهباز شريف خلال زيارة إلى واشنطن في يونيو/ حزيران الماضي، وخلال الزيارة دعاه ترمب إلى غداء خاص في بادرة نادرة في تاريخ الولايات المتحدة، ومنذ ذلك الوقت توثقت العلاقات بين الرجلين، وكثيرًا ما وصفه ترمب بـ"مشيره المفضل".
يُذكر أن باكستان رشّحت ترمب لجائزة نوبل للسلام، وانضمت إلى مجلس السلام الذي شكله الرئيس الأميركي مباشرة بعد اجتماعه مع منير في دافوس في يناير/ كانون الثاني الماضي.
قاليباف.. حرس ثوري بثياب مدنية
في مقابل فانس ومنير الذي زار إيران أخيرًا لمدة ثلاثة أيام لتحريك المحادثات، يبرز رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بوصفه أحد الوجوه التي تقدمت إلى الواجهة بعد الحرب.
فقد وصل إلى إسلام أباد ضمن وفد إيراني رفيع ضم أيضًا وزير الخارجية عباس عراقجي، وظهر بوصفه أحد أعمدة المسار التفاوضي في مرحلة تشهد فيها البلاد إعادة ترتيب لمراكز القوة والنفوذ.
وتتقاطع في شخص قاليباف مراكز القوة والنفوذ الكبرى في إيران، من مؤسسة مرشد الجمهورية إلى الحرس الثوري والرئاسة، فهو جنرال سابق في الحرس الثوري، ومرشح سابق للرئاسة، ورئيس حالي للبرلمان في البلاد.
ويبدو أن قاليباف كان مرشح التوافق بين هذه القوى لإدارة المحادثات مع واشنطن، علمًا أن دور الحرس تقدم على أدوار بقية مراكز القوى بعد اغتيال المرشد علي خامنئي في اليوم الأول للحرب على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي.
وتشهد إيران منذ ذلك الوقت حالة من إعادة التشكل في نفوذ مؤسساتها الكبرى، فبعدما كان خامنئي الأب يمسك بخيوط العلاقات بين هذه القوى، ويضبط إيقاعها، ويتحكم في توجيهها، أصبح الحرس الثوري صاحب الكلمة الأولى في البلاد، خاصة في الفترة التي شهدت فراغًا في مؤسسة المرشد بين 28 فبراير/ شباط، تاريخ اغتيال خامنئي، و9 مارس/ آذار، تاريخ انتخاب مجلس خبراء القيادة مجتبى خامنئي خلفًا لوالده.
ويُعد قاليباف، على مدى ثلاثة عقود، أحد أعمدة المؤسسة الحاكمة في البلاد، وأبرز وجوهها غير الدينية، ويتولى حاليًا زمام المسار التفاوضي مع واشنطن.
قاليباف.. دور يتعاظم بعد الحرب
وُلد قاليباف في بلدة طرقبة في شمال شرق البلاد عام 1961. وخلال الحرب العراقية الإيرانية، انضم إلى الحرس الثوري، وتدرج سريعًا ليصبح جنرالًا خلال ثلاثة أعوام فقط.
وبعد انتهاء الحرب، واصل مسيرته مع الحرس الثوري، وحصل على رخصة طيار عسكري، وأصبح في نهاية المطاف رئيسًا لوحدة القوات الجوية في الحرس الثوري.
وأثناء خدمته في الحرس الثوري، شارك في قمع طلاب الجامعات عام 1999، وانضم إلى قادة آخرين في توقيع رسالة موجهة إلى الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، يهددونه فيها بالإطاحة به إذا لم يكبح الاحتجاجات.
وترشح للرئاسة عام 2005، وسعى إلى استقطاب الناخبين من أصحاب الدخل المتوسط والمنخفض، لكن خطابه الشعبوي لم يصمد أمام منافسه آنذاك محمود أحمدي نجاد، الذي مال المرشد الراحل علي خامنئي، في نهاية المطاف، إلى دعمه على حساب الجنرال السابق المقرب منه.
لكنّ قاليباف لم يتوقف عن السعي إلى الرئاسة، إذ ترشح لها في عامي 2013 و2024 من دون أن يحالفه التوفيق، وانسحب من سباق عام 2017 تجنبًا لانقسام أصوات التيار المتشدد.
وشغل قاليباف منصب رئيس بلدية طهران لمدة 12 عامًا، قبل أن يُنتخب لعضوية البرلمان ويتولى رئاسته عام 2020.
ويضطلع قاليباف بدور محوري متزايد في بلاده منذ بدء الحرب عليها، التي استهدفت عددًا كبيرًا من قادة الصف الأول في المؤسسات السياسية والعسكرية.
ومع اغتيال مزيد من الشخصيات النافذة وغيابها عن المشهد، أصبح الرجل حلقة وصل رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية.