بين مطرقة المصالح وسندان الغياب العربي.


في منطقةٍ اعتادت أن تكون قلب العالم، يبدو أن نبضها اليوم يُدار من خارج حدودها أكثر مما يُصنع داخلها ، ما يحدث في لبنان، وما يُقال عن "السلام” في خطابات الساسة الدوليين، يعيد إلى الأذهان ذلك المثل العربي القديم: "يضرب كفًّا ويُعدّل الطاقية”؛ ازدواجيةٌ في القول والفعل، لا تخفى حتى على أبسط المتابعين.

لم تعد خيوط المشهد معقدة كما كانت تُصوَّر، فالمصالح الكبرى تُدار بوضوحٍ فاقع، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيت نفوذها، مستندةً إلى أدواتها وتحالفاتها، وعلى رأسها الكيان الذي لم يُخفِ يومًا مشروعه التوسعي، مستندًا إلى رواياتٍ تاريخية ودينية تُستخدم كغطاءٍ لسياسات الواقع.

وفي الجهة الأخرى، تقف إيران بمشروعها الإقليمي، تمدّ نفوذها عبر أذرع متعددة، مستفيدةً من فراغٍ عربي واضح، ومن تصدعات داخلية أتاحت لها التمدد في أكثر من ساحة ، وبين هذا وذاك، تتحول بعض العواصم العربية إلى ساحات صراع بالوكالة، تُستنزف فيها الموارد وتُرهق فيها الشعوب.

لكن تحميل الخارج وحده مسؤولية ما نحن فيه، هو قراءة ناقصة ، فالمشكلة الأعمق تكمن في غياب مشروع عربي جامع، قادر على تحويل ما تملكه المنطقة من ثروات هائلة—وفي مقدمتها الطاقة—إلى قوة تأثير حقيقية، لا مجرد أوراق تُستخدم عند الحاجة ثم تُهمل.

إن التحدي الحقيقي ليس في توصيف الأطماع، فهي واضحة، بل في القدرة على مواجهتها برؤية موحدة، وإرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة ، فالتاريخ لا يرحم الفراغ، ومن لا يملك مشروعه، سيجد نفسه جزءًا من مشاريع الآخرين.

وفي زمنٍ تتبدل فيه التحالفات بسرعة، لم يعد يكفي أن نُحسن ردود الفعل، بل أصبح لزامًا أن نحسن صناعة الفعل ذاته… قبل أن يُعاد رسم ما تبقى من ملامح المنطقة دون استئذان.