في محدّدات الانتخابات الإسرائيلية 2026
على أعتاب الانتخابات الإسرائيلية العامة المرتقبة، والتي سبق لكاتب هذه السطور أن أفاد بأنها ستجري في موعدها القانوني، نهاية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، لأول مرّة منذ نحو أربعة عقود، لا بُدّ من القول إن مجمل المعطيات السياسية والاجتماعية والديموغرافية توضح أن اليمين في إسرائيل لم يعد مُجرّد قوة انتخابية متفوقة ظرفياً، بل بات يشكل البنية المهيمنة والثابتة نسبياً التي تضبط اتجاهات النظام السياسي وحتى حدود التنافس داخله. ومن ثم، ليس من المبالغة القول إن هذا المعسكر مرشّح للاستمرار في احتلال موقع قوي خلال الأعوام القليلة المقبلة، حتى في حال تبدّل القيادات أو إعادة تشكيل الاصطفافات الحزبية.
ونستند في هذا الاستنتاج إلى عامل بنيوي مركزي، يتمثل في التحوّلات الديموغرافية داخل المجتمع اليهودي، سيما التعاظم المتواصل للوزن النسبي لليهود الحريديم المتشددين دينياً واليهود المتدينين، وما يرافقه من تعزّز للأرثوذكسية الاجتماعية والسياسية. ولا يقتصر أثر هذه التحولات على إعادة إنتاج قاعدة انتخابية يمينية واسعة، بل يمتد إلى تغذية صعود تيارات مثل "الصهيونية الدينية"، التي استفادت أيضاً من تنامي التأييد لها في أوساط الشباب الحريدي، في امتداد واضح للتحالف التاريخي بين الأحزاب الحريدية واليمين منذ مطلع التسعينيات. وتجدر الإشارة هنا كذلك إلى أن "بروفايل" المجتمع اليهودي الإسرائيلي من ناحية أنماط تدينه، بموجب أغلب استطلاعات الرأي العام، يشفّ عن حال تبدو ملتبسة تحتل التقاليد والعادات الدينية فيها موقعاً حاسماً حتى لدى القائلين بأنهم علمانيون.
لعل الأمر الذي ينبغي أن يسترعي الانتباه أن جميع السيرورات في إسرائيل ستغدو أكثر فأكثر مرتبطة بانتخابات 2026. وعلى الرغم من أن الموعد النهائي لهذه الانتخابات لم يُحسم بعد، باستثناء أنّ من المقرّر أن تُجرى قانونياً في موعد أقصاه 27 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، فإن الحملة الانتخابية بدأت فعلياً، وسط أجواء مشحونة. وتوحي استطلاعات الرأي العام باستقرار نسبي في توازن الكتل: معسكر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يدور حول أكثر بقليل من 50 مقعداً، ومعسكر معارضيه، من دون الأحزاب العربية، يقل عن 60 مقعداً أو يزيد بمقعد، فيما تبقى الأحزاب العربية عاملاً مرجّحاً في توزيع المقاعد، من دون أن تتحوّل إلى شريك طبيعي في معادلات الحكم.
الأهم من توزيع المقاعد طبيعة المجال السياسي الذي ستجري فيه الانتخابات، فالمؤشرات المتاحة تفيد، على نحو جليّ، حسبما لمح الكاتب في مقالته في "العربي الجديد" الأسبوع الفائت، بأن هذه الانتخابات لن تكون منافسة بين مشروعين متعارضين، بل ستجري في معظمها داخل السقف الأيديولوجي الذي فرضه اليمين على الحلبة السياسية. فحتى القوى التي تطرح نفسها بديلاً لنتنياهو لا تعرض، في الجوهر، قطيعة مع الخط العام الذي يحكم السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، أو الحرب، أو الاستيطان، أو حتى مكانة الجهاز القضائي، بل تختلف معه أساساً في الأسلوب، وفي إدارة السلطة، وفي شخص القيادة.
وعليه، يمكن التقدير بأن إسرائيل سوف تخوض انتخابات 2026 في ظل أربعة محددات رئيسية: أولها، رسوخ اليمين بوصفه القوة المهيمنة مجتمعياً وسياسياً. ثانيها، تراجع الفروق الأيديولوجية الفعلية بين المعسكر الحاكم ومعظم معارضيه. ثالثها، استمرار حالة الحرب وتداعيات "7 أكتوبر" (2023) بوصفهما إطاراً حاكماً للنقاش العام. ورابعها، مركزية مسألة العلاقات بين اليهود والفلسطينيين في الداخل بوصفها أحد المتغيرات القادرة على التأثير في مآلات الانتخابات.
وبناءً على هذا، التقدير الأرجح أن إسرائيل مقبلة على انتخابات عالية الاستقطاب، لكنها لن تفضي، على الأرجح، إلى انقلاب في الاتجاه السياسي العام، بل إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل المعسكر اليميني الواسع نفسه. وهذا يعني أن التحدّي المركزي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط من يحكم إسرائيل، بل أي صيغة من صيغ اليمين ستتولى إدارة الدولة، والحرب، والعلاقة مع الفلسطينيين، في سياق يزداد تطرّفاً قومياً ودينياً.