سقوط أوربان في المشهد الأوروبي
جاء سقوط فيكتور أوربان في انتخابات بلاده (المجر)، أخيراً، حدثاً سياسياً استثنائياً، ولحظة مفصلية تكمل التأسيس لدورة تاريخية جديدة في أوروبا الوسطى. بدأت رياح التغيير تعاكس شراع اليمين الأوروبي من بولندا في 2023، عندما تمكن تحالف معارض بقيادة رئيس المجلس الأوروبي السابق دونالد توسك من الفوز في الانتخابات البرلمانية، الأمر الذي أنهى حكم حزب القانون والعدالة (PiS) اليميني الذي استمر ثماني سنوات. جاءت رومانيا تالية في انتخابات 2025 عندما تمكّن المرشّح الوسطي نيكوشور دان من هزيمة القومي اليميني المتطرّف جورج سيميون بفارق مريح، مبعداً خطر صعود اليمين المتطرّف إلى سدة الرئاسة. أخيراً كانت مولدوفا، التي رغم أنها ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي بعد، لكنها تقع في قلب الصراع السياسي شرق أوروبا، حيث حقق حزب العمل والتضامن (PAS) الموالي لأوروبا والداعم للرئيسة مايا ساندو فوزاً حاسماً، ما مكّن القوى الليبرالية من الاحتفاظ بالسلطة وقطع الطريق أمام القوى اليمينية والاشتراكية الموالية لروسيا.
حكم أوربان المجر 16 عاماً منذ انتخابات 2010، وأعاد تشكيلها وفق نموذج الديمقراطية الشكلية المفرغة من محتواها على الطريقة البوتينية. وصحيحٌ أنّه لم يتمكن من تحويل المجر إلى نظام يشبه النظام الروسي بالكامل، إلا أنّه ألحق بسياساته هذه أضراراً بنيويةً في مؤسّسات الدولة ستأخذ وقتًا ليس بالهيّن للتعافي منها. خرج أوربان من السلطة بهزيمةٍ مدوّيةٍ أمام منافسه بيتر ماغيار، في مشهدٍ يعكس تحوّلاتٍ عميقةً تتجاوز حدود الدولة المجرية إلى البنية السياسية الأوروبية برمتها. هذه الهزيمة لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها تداولاً ديمقراطياً للسلطة، بل بوصفها مؤشّراً على تراجع نموذج سياسي كامل قام على الشعبوية القومية، والتحكّم بالمؤسسات، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. بدأت هذه الموجة كما أسلفنا من خارج المجر، وسوف نرى مسيرتها في انتخابات فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية التي تصارع صعود اليمين والشعبوية منذ فترة طويلة.
برز أوربان في نهاية الثمانينيات وجهاً شاباً ليبرالياً، حين طالب علناً بانسحاب القوات السوفييتية من المجر، في لحظة تاريخية تزامنت مع انهيار المنظومة الشيوعية في أوروبا الشرقية، غير أن تحوّله الجذري جاء بعد خسارته انتخابات 1994، حيث أعاد تموضعه السياسي ليملأ الفراغ في اليمين المحافظ. بمرور الوقت، لم يعد أوربان مجرّد زعيم حزبي، بل مهندس مشروع سياسي متكامل، أعاد صياغة الدولة المجرية وفق مفهوم الديمقراطية الانتخابية السلطوية، حيث تُجرى الانتخابات، لكن ضمن بيئة غير متكافئة تهيمن عليها السلطة التنفيذية. شمل هذا التحوّل إعادة كتابة الدستور بما يعزّز صلاحيات الحكومة، السيطرة التدريجية على الإعلام، تقويض استقلال القضاء وتوسيع نفوذ الدولة على الاقتصاد والمجتمع.
رغم إحكامه السيطرة على مفاصل الدولة، لم يسقط أوربان بفعل المعارضة التقليدية، بل نتيجة تراكم عوامل داخلية عميقة، فقد تحوّلت النخبة المحيطة بأوربان إلى طبقة مغلقة، مع تصاعد الاتهامات بتحويل أموال الاتحاد الأوروبي إلى شبكات محسوبية. أضعف هذا النمط من الحكم العقد الاجتماعي، خصوصاً لدى الطبقة الوسطى والشباب. لم تعد الشعارات القومية كافيةً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع جودة الخدمات العامة وضعف فرص العمل. هكذا تُثبت الحياة يوماً بعد آخر صدق مقولة إنّ الشرعية الحديثة لم تعد تُبنى على الأيديولوجيا فقط، بل على القدرة على تحسين حياة الناس فعلياً.
شكّل صعود بيتر ماغيار نقطة تحوّل لافتة، إذ لم يأتِ من المعارضة التقليدية، بل من داخل النظام نفسه. استخدم خطاباً محافظاً مشابهاً، لكنه ركّز على مكافحة الفساد وإعادة بناء المؤسّسات وتحسين العلاقة مع أوروبا، هذا ما جعله مقبولاً لدى القاعدة التي كانت تدعم أوربان سابقاً. ساهمت فضائح لا أخلاقية، مثل قضية العفو عن متورطٍ في استغلال أطفالٍ عام 2024 في تقويض عرش أوربان السياسي، فضربت جوهر الخطاب الأخلاقي الذي اعتمد عليه الأخير، وأفقدته مصداقيته أمام جمهوره المحافظ. كيف لك أن تحاضر بالعفّة والشرف ثم تحمي مجرماً معتدياً على الأطفال!؟
بفوز بيتر ماغيار بأغلبية الثلثين، تدخل المجر مرحلةً جديدةً يمكن وصفها بمرحلة تفكيك الدولة الأوربانية. لكنّ مراقبين كثيرين يحذّرون من الإفراط بالتفاؤل من الفائز بالانتخابات، فهو لا يختلف عن سلفه كثيراً في ما يتعلّق بقضايا الهجرة ودعم أوكرانيا في حربها مع روسيا. مع ذلك، يرى غيرهم أنّه سيعمل على صعيدين متوازيين وبخطّ جديد نوعاً ما. سيسعى داخليّاً لإعادة استقلال القضاء وتحرير الإعلام والانضمام إلى الآليات الأوروبية الخاصة بمكافحة الفساد، أما خارجيّاً فيتوقع منه العودة إلى الخط الأوروبي التقليدي، وإنهاء حالة التمرّد داخل الاتحاد وتقليص النفوذ الروسي داخل أوروبا. يشكل سقوط أوربان ضربة قوية لمعسكر المشكّكين في أوروبا، ويعزّز من تماسك الاتحاد الأوروبي في مواجهة التحدّيات. كذلك تثبت الديمقراطية الليبرالية يوماً بعد آخر أنّها أفضل أنظمة الحكم التي توصّل إليها الإنسان، فهي قادرة باستمرار على إصلاح نفسها من داخلها ومن دون الحاجة لانقلابات عسكرية أو للعنف والحروب الأهلية.
سقوط أوربان لا يعني فقط نهاية زعيم سياسي، بل يمثل لحظة اختبار لنموذج الشعبوية اليقينية الذي يقوم على احتكار الحقيقة وشيطنة الخصوم وتقديم المصالح الضيقة للحكّام وحاشيتهم على مصالح عموم المواطنين. لقد أثبتت التجربة أن هذا النموذج قادر على الصمود لفترة، لكنه يفشل عندما يعجز عن تحقيق الرفاه الاقتصادي أو الحفاظ على ثقة المجتمع. وفي هذا السياق، يمكن قراءة ما حدث في المجر جزءاً من حركة تاريخية أوسع، حيث تعود المجتمعات، ولو ببطء، إلى البحث عن توازن بين السلطة والحرية، بين الهوية والمصلحة، وبين الدولة والمجتمع. إنها ليست نهاية الشعبوية، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع حول شكل الدولة الحديثة في القرن الحادي والعشرين. خسارة أوربان فوزٌ لقيم الديمقراطية الليبرالية وتحقيق للإرادة الشعبية التي لا تنطلي عليها الشعارات، عندما تبتعد عن هموم الحياة اليومية ومشكلاتها. فوز ماغيار خسارةٌ لتيار اليمين الشعبوي الذي يحاول الهيمنة من خلال تأجيج الغرائز، وهو ما يثبت عدم نجاعته إذا لم يترافق مع ما يحقق مصالح الناس بالعيش الكريم. فوز من جهة وخسارة من جهة ثانية، وأوروبا تعود إلى التوازن رويداً رويداً، فالمدنية والتقدّم يمرضان، لكنهما لا يموتان.