الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات في الأردن: بين واقعٍ يتردد وطموحٍ لا ينتظر.


في دولةٍ أدركت مبكراً أن المعرفة هي الثروة الحقيقية، لم يكن الحديث عن التحول الرقمي ترفاً، بل خياراً استراتيجياً حمله جلالة الملك وولي عهده كعنوانٍ لمستقبلٍ أكثر كفاءة وعدالة وشفافية ، ومع ذلك وبين الخطاب والطموح يقف الواقع اليوم ليطرح أسئلةً لا يمكن تجاوزها أو تجميلها.

الأردن يملك من الكفاءات البشرية ما يجعله في مصاف الدول المتقدمة تقنياً ، شبابٌ مبدع، شركات ناشئة، وخبرات تتجاوز الحدود ، لكن المفارقة المؤلمة أن هذه الطاقات كثيراً ما تجد بيئةً خارجية تحتضنها أكثر مما تجد داخلياً ما يمكن أن يطلق إمكانياتها بالكامل ، وهنا تبدأ أولى علامات الاستفهام.

هل المشكلة في غياب الاستراتيجيات؟
أم في استراتيجيات تُكتب بعناية… لكنها تُهمل بعناية أكبر عند أول تعديل وزاري؟
هل نملك خططاً عابرة للحكومات، أم أن كل مرحلة تبدأ من الصفر وكأن ما قبلها لم يكن؟

ثم ماذا عن البنية التحتية؟
صحيح أننا شهدنا تطوراً في خدمات الإنترنت والاتصالات، لكن هل هذا التطور كافٍ لاقتصادٍ رقمي حقيقي؟
هل سرعة الإنترنت، وتكلفته، وانتشاره، تواكب فعلاً طموح التحول الرقمي، أم أنها ما زالت تشكل عائقاً صامتاً لا يُناقش بجدية؟

أما الحكومة الإلكترونية، فهي قصة أخرى…
هل أصبحت وسيلة لتسهيل حياة المواطن، أم واجهةً إعلامية نُكثر الحديث عنها ونُقلل من أثرها الفعلي؟
كم خدمة إلكترونية ما زالت تحتاج إلى "مراجعة شخصية” في نهايتها؟
وكم منصة أُطلقت بحماس… ثم خفت بريقها دون تقييم أو محاسبة؟

لا يمكن إغفال فجوة الثقة أيضاً ، فالمواطن الذي لا يلمس فرقاً حقيقياً في سرعة الخدمة أو جودتها، لن يقتنع بالشعارات مهما كانت براقة ، التكنولوجيا ليست تطبيقاً يُطلق، بل تجربة تُبنى وتُقاس وتُحس.

ثم نصل إلى السؤال الأعمق:
هل اقتربنا فعلاً من الاقتصاد المعرفي؟
أم أننا ما زلنا نستهلك التكنولوجيا أكثر مما ننتجها؟
وهل البيئة التشريعية والاستثمارية تواكب هذا التحول، أم أنها ما زالت تتعامل مع الواقع الرقمي بعقلية تقليدية؟

المشكلة ربما ليست في عنصرٍ واحد، بل في منظومة كاملة:
تداخل الأدوار، غياب المساءلة، ضعف التنفيذ، وأحياناً الاكتفاء بالصورة بدل الجوهر.

ومع ذلك، الصورة ليست قاتمة بالكامل.
فالأردن يملك فرصة حقيقية، وربما أخيرة، ليعيد ترتيب أولوياته الرقمية:
بتوحيد الجهود، وربط الاستراتيجيات بزمن واضح ومؤشرات قياس حقيقية، وتمكين الكفاءات لا تهميشها، والأهم… الانتقال من "إدارة المشاريع” إلى "تحقيق الأثر”.

تبقى الأسئلة مفتوحة… لكنها لم تعد تحتمل التأجيل:
•هل واقع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات يرقى إلى مستوى الطموح، أم أننا نجيد تسويق ما لم ننجزه بعد؟
•هل تحولت الحكومة الإلكترونية إلى مشروع حقيقي يخدم المواطن، أم إلى مساحة تنظير ومؤتمرات؟
•هل نحن على طريق الاقتصاد المعرفي، أم أننا ما زلنا في مرحلة الشعارات؟
•وأخيراً… هل نملك الشجاعة للاعتراف بالتقصير، قبل البحث عن إنجازاتٍ نُعلنها؟

في عالمٍ لا ينتظر أحداً، الإجابة لم تعد خياراً… بل ضرورة.
المهندس عبدالحميد الرحامنة.