الجمعة الحزينة… بين استذكار الصلب وموقف الحق

في الجمعة الحزينة… وبحسب الإيمان المسيحي، يوم صلب السيد المسيح بعد تعذيبه على يد اليهود… لا يكون الاستذكار طقسًا عابرًا، ولا حزنًا موسميًا… بل موقفًا.

المسيح، الذي كان في جوهر رسالته مقاومًا للانحراف، فدائيًا في قول الحق، وشهيدًا في مواجهة الظلم اليهودي، لم يكن صامتًا أمام الانحراف، بل واجهه بوضوح، فقال لهم:
"أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ… ذَاكَ كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ… إِنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذِبِ.” (يوحنا 8: 44)

وحين رأى بيت الله وقد حُوِّل إلى بؤرة فساد من اليهود، أعلنها بلا تردد:
"بَيْتِي بَيْتُ الصَّلَاةِ، وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ.”

ولم يختزل الإيمان بطقوس، بل قال لهم:
"إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ.”

المسيح لم يُصلب لأنه دعا إلى الصمت… بل لأنه فضح، وواجه اليهود، ورفض أن يساوم على الحق.

فكيف يُعقل اليوم… أن يُستذكر صلب المسيح، ولا يُرى الظلم حين يتكرر؟
كيف يُبكى على المصلوب… ويُتجاهل القتلة حين يُعيدون المشهد بأشكال مختلفة؟

ومن يقتطع قوله:
"مَنْ لَيْسَ لَهُ فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفًا” (لوقا 22: 36)،
فليقرأه في سياقه… فهو ليس دعوةً للعنف الاهلي، بل وعيٌ بزمنٍ لا يُحمى فيه الحق بالصمت.

الإيمان ليس طقوسًا… بل موقف.
والمسيح لم يكن حياديًا بين الحق والباطل.

من يحبّ المسيح… لا يمكن أن يكون محايدًا أمام القتل والظلم.
ومن يفهم رسالته… لا يساوي بين الجلاد والضحية.

الجمعة الحزينة ليست يوم حزن فقط… بل يوم وضوح.

وإنّ الحياة وقفةُ عزٍّ فقط.