شهادة "الأبوستيل".. بوابة عالمية لتوفير الوقت والمال لماذا غاب الاردن عن الخريطة الدولية لتصديق الوثائق؟
في الوقت الذي يسعى فيه الأردن لتعزيز بيئته الاستثمارية وتسهيل شؤون مواطنيه في الخارج، لا تزال رحلة تصديق "ورقة رسمية" واحدة لاستخدامها دولياً تشكل عبئاً مادياً ونفسياً. وبينما يتحدث العالم اليوم عن ثورة رقمية في توثيق المستندات تُعرف بنظام "الأبوستيل" (Apostille) وهو المفهوم الذي غير وجه المعاملات الدولية في أكثر من 125 دولة، بينما لا يزال غائباً عن وعي الكثيرين في بلدنا، حيث يجد المواطن الأردني نفسه تائهاً في أروقة الوزارات والسفارات، فما هو هذا النظام؟ ولماذا يغيب الأردن عن ركب الدول التي تطبقه؟.
الأبوستيل": ختم واحد يغني عن عناء السفارات
اتفاقية "الأبوستيل"، التي انطلقت من لاهاي عام 1961، هي معاهدة دولية تهدف إلى إلغاء شرط "التصديق القنصلي" التقليدي والمكلف. الغاية منها هي استبدال "سلسلة التصديقات" الطويلة بختم أو شهادة موحدة تُسمى "أبوستيل" تصدرها جهة وطنية مختصة، وتجعل الوثيقة صالحة قانوناً في جميع الدول الأعضاء بالاتفاقية. وهذه الشهادة تُثبت صحة التوقيع والختم وصلاحية الشخص الذي وقع الوثيقة، دون الحاجة لمراجعة قنصلية الدولة المستلمة.
وتشمل هذه الاتفاقية طيفاً واسعاً من الوثائق، أبرزها الوكالات القانونية (Powers of Attorney) بما فيها تلك المتعلقة بـ نقل الملكية والبيع، بالإضافة إلى شهادات الميلاد والزواج، والشهادات الأكاديمية الصادرة عن المؤسسات العامة، وأعمال كُتّاب العدل. إلا أنها تستثني بوضوح الوثائق الدبلوماسية والقنصلية، والوثائق الإدارية المرتبطة مباشرة بالعمليات التجارية أو الجمركية، ونسخ الصور غير الأصلية.
تُقدم هذه الاتفاقية مزايا ملموسة للمواطنين والشركات، أبرزها:
•تبسيط الإجراءات للمواطنين والمغتربين: إن المعاناة المستمرة للطلبة والمغتربين من "البيروقراطية" والتكاليف المرتفعة للتصديق المزدوج في السفارات تعد المحرك الأساسي للمطالبة بتبسيط الإجراءات عبر "الأبوستيل".
•توفير الوقت والمال: القضاء على الرسوم المتكررة وساعات الانتظار الطويلة في الطوابير وبدلاً من المرور بعدة وزارات وسفارات، يحصل المواطن على ختم واحد من جهة وطنية معينة.
•القبول العالمي: بمجرد حصول الوثيقة على ختم الأبوستيل من الدولة المصدرة (إذا كانت عضواً في الاتفاقية)، تصبح صالحة للاستخدام القانوني في أي دولة أخرى عضو دون الحاجة لتصديقها من سفارة تلك الدولة والشهادة معترف بها في معظم دول العالم المتقدمة، مما يقلل من مخاطر رفض الوثائق في الخارج.
•الأمن القانوني: توفر الشهادة نموذجاً موحداً يحتوي على 10 حقول أساسية مرقمة، مما يسهل التحقق من صحتها دولياً.
•تمكين القطاعات التجارية والاستثمارية: تعتبر أداة حيوية للشركات، فهي تسرّع تصديق: السجلات التجارية، الوكالات القانونية، وعقود التأسيس..... وغيرها، وتتيح للشركات الوطنية التوسع دولياً والمشاركة في العطاءات الخارجية بسهولة، كما تخدم المستثمرين في القطاع العقاري في مجال تصديق الوكالات والسندات العقارية، مما يقلل بشكل كبير من "زمن إنجاز الصفقات".
•دعم قطاع التعليم والبحث الأكاديمي: تُعد الاتفاقية "شريان حياة" للطلبة والباحثين؛ فهي تسهل الاعتراف المتبادل بالشهادات الجامعية وكشوف العلامات والوثائق الأكاديمية. تسرّع هذه العملية القبول في الجامعات الدولية، وتسهل معادلة الشهادات ونقل الساعات الدراسية بين الدول الأعضاء دون الحاجة لزيارة القنصليات، مما يفتح آفاقاً أوسع للمبتعثين.
الأردن وخريطة "الأبوستيل": غياب تام وواقع مرير:
بالرجوع إلى السجلات الرسمية لمؤتمر لاهاي للقانون الدولي الخاص (HCCH)، نجد أن الأردن ليس طرفاً في هذه الاتفاقية حتى الآن، فبينما انضمت دول عربية مثل المغرب (عام 2016)، والسعودية (عام 2022)، والبحرين، وتونس، وعُمان، لا يزال الأردن يعتمد النظام التقليدي. مما يضع ضغطاً غير مباشر على الأردن لتوحيد إجراءاته مع محيطه العربي والدولي.
وبما أن الأردن ليس طرفاً في الاتفاقية حتى الآن، فإن الوثائق الصادرة منه في الخارج، أو الواردة إليه من الخارج، لا تزال تتطلب "سلسلة التصديقات التقليدية" (كاتب العدل، ثم وزارة الخارجية، ثم السفارة المعنية) ولا يُكتفى فيها بختم الأبوستيل.
من المسؤول؟ وكيف نلحق بالركب؟
الجهة المسؤولة عن ملف التصديقات الدولية في الأردن هي وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، كونها المعنية بتصديق الوثائق المراد استخدامها في الخارج في الدول غير المنضمة للاتفاقية.
ولإعادة إحياء هذا الملف وتطبيقه في الأردن، لا بد من الخطوات التالية:
1.الانضمام الرسمي: يجب على الحكومة الأردنية إيداع وثائق الانضمام لدى وزارة الخارجية الهولندية (جهة الإيداع للاتفاقية).
2.تحديد "السلطة المختصة": تعيين جهة وطنية (غالباً ما تكون وزارة الخارجية أو العدل) لتكون هي المخولة بإصدار ختم الأبوستيل .
3.التحول الرقم: (e-APP) يمكن للأردن القفز مباشرة نحو تطبيق "الأبوستيل الإلكتروني"، وهو النظام الذي أطلق عام 2006 ويوفر أماناً أعلى عبر توقيعات رقمية وسجلات إلكترونية تتيح التحقق الفوري من صحة الوثائق عبر الإنترنت. وتبرز تجربة المغرب كنموذج رائد، حيث أطلقت بوابة "Apostille.ma" التي تتيح تعبئة الطلبات والتأكد من صحتها إلكترونياً، مما يسهل حياة المواطنين والمستثمرين بشكل هائل.
ختاماً، إن بقاء الأردن خارج مظلة "الأبوستيل" بنوعيها الورقي والالكتروني لا يعني فقط استمرار الطوابير في وزارة الخارجية، بل يعني بقاء المواطن الأردني في "عزلة إجرائية" تكلفه وقتاً ومالاً هو أولى بهما. لقد حان الوقت لتنتقل معاملاتنا من "الختم التقليدي" إلى "الاعتراف العالمي". وعلى الجهات الرسمية التحرك لتبني هذا النظام الذي أصبح لغة العالم في توثيق المستندات.
بقلم المحامي الدكتور فواز أبو حجلة