من التلوث إلى التعافي.. دعوة أذربيجان إلى اتخاذ إجراءات عالمية أقوى بشأن إزالة الألغام

في كل عام، في اليوم العالمي للتوعية بالألغام والمساعدة في مجال مكافحة الألغام، يتأمل المجتمع الدولي في أحد أكثر إرث للنزاعات المسلحة استمراراً وفتكاً. فبعد انتهاء الحروب بزمن طويل، تستمر الألغام الأرضية ومخلفات الحرب المتفجرة والعبوات الناسفة المرتجلة في حصد الأرواح، وإعاقة التنمية، وعرقلة عودة النازحين.
ووفقاً للتقرير الأخير الصادر عن الأمين العام للأمم المتحدة الذي يدعو فيه للمساعدة في مجال مكافحة الألغام (A/80/272)، فإنه لا يزال هناك ملايين الأشخاص حول العالم عرضة لهذه المخاطر، ولا تقتصر مخاطر المتفجرات على التسبب في الوفاة والإصابة فحسب، بل إنها تحد أيضاً من الوصول إلى الخدمات الأساسية، وتؤخر إعادة الإعمار، وتقوض الاستقرار طويل الأمد في بيئات ما بعد النزاعات.
وتُعدّ أذربيجان من بين أكثر الدول تضرراً من هذا التحدي، فاليوم، لا تزال أكثر من 13% من أراضيها ملوثة بالألغام الأرضية ومخلفات الحرب المتفجرة، لا سيما في المناطق التي تم تحريرها عقب حرب 2020 التي استمرت 44 يوماً. والخسائر البشرية الفادحة الموثقة توثيقاً دقيقاً. فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، سقط أكثر من 3400 أذربيجاني ضحايا للألغام الأرضية ومخلفات الحرب المتفجرة.
تكمن جذور هذه المشكلة في الاحتلال الأرميني الطويل الأمد لأراضي أذربيجان، والذي استمر قرابة ثلاثين عاماً، وخلال تلك الفترة، زرع الأرمن ما يُقدّر بنحو 1.5 مليون لغم أرضي في مناطق شاسعة، محولين عمداً المناطق المأهولة بالسكان إلى مناطق خطرة وغير صالحة للسكن. ولا يزال هذا التلوث واسع النطاق ويُشكّل تهديداً خطيراً لحياة المدنيين، ويُعدّ أحد أهمّ العوائق أمام التعافي وإعادة التوطين بعد انتهاء النزاع.
ولا يزال الخطر قائماً رغم توقف الأعمال العدائية. فمنذ نوفمبر/تشرين الثاني 2020 ،تضرر 421 مدنياً جراء انفجارات الألغام الأرضية، من بينهم 72 قتيلاً و349 مصاباً بجروح خطيرة أو إعاقات دائمة. ومن بين الضحايا نساء وأطفال، مما يؤكد طبيعة الوجود العشوائي لهذه الأسلحة وتأثيرها المستمر على السكان المدنيين. وتُظهر هذه الأرقام أنه حتى في أوقات السلام النسبي، تستمر الألغام الأرضية في العمل كقاتل صامت.
وإلى جانب الخسائر البشرية المباشرة، يُشكل تلوث الألغام الأرضية عائقاً كبيراً أمام التعافي والتنمية. فيوجد مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة لا تزال غير صالحة للاستخدام، وتتأخر مشاريع البنية التحتيةوتُمنع مجتمعات بأكملها من العودة إلى ديارها. وبالنسبة لأذربيجان، فإن عودة النازحين داخلياً بشكل آمن وكريم تعتمد بشكل مباشر على السرعة والفعالية في إنجاز عمليات إزالة الألغام.

واستجابةً لذلك، رفعت أذربيجان العمل الإنساني المتعلق بالألغام إلى مرتبة الأولوية الوطنية. وتقود الوكالة الوطنية الأذربيجانية للأعمال المتعلقة بالألغام (أناما) جهودًا مكثفة في مجال إزالة الألغام ، والتوعية بالمخاطر ومساعدة الضحايا، مع دمج التقنيات الحديثة لتعزيز الكفاءة التشغيلية. ومن الجدير بالذكر أن أذربيجان قامت بإدماج البعد الجنساني في العمل المتعلق بالألغام واتخذت خطوات متقدمة نحو تعزيز المساواة بين الجنسين في مجال العمل الإنساني المرتبط بالألغام. وفي هذا السياق، تم إنشاء أول فريق نسائي بالكامل لإزالة الألغام في البلاد، وذلك بالتعاون مع شركاء دوليين، مما احز تقدمًا كبيرًا في بناء القدرات وتعزيز المشاركة الشاملة في الجهود الإنسانية.
ومع ذلك، يتطلب حجم التلوث دعمًا دوليًا مستدامًا ولا يزال العمل المتعلق بالألغام يستهلك موارد ضخمة وتُشكل القيود الحالية على التمويل العالمي ضغطًا إضافيًا على البلدان المتضررة. وفي هذا الصدد، يُعد تعزيز التعاون الدولي، وتوفير مساعدات مالية مستدامة، وتطوير الشراكات التقنية أمرًا ضروريًا لتسريع وتيرة التقدم.
وفي الوقت نفسه، تظل المساءلة والشفافية عنصرين أساسيين في العمل الفعال لإزالة الألغام ورغم أن أرمينيا قدمت بعض خرائط حقول الألغام تحت ضغط دولي كبير ، إلا أن موثوقيتها موضع شك بحيث لم تتجاوز دقة البيانات المُبلغ عنها 25%. ونتيجة لذلك، وقعت العديد من حوادث الألغام الأرضية المسجلة بعد عام 2020 في مناطق لم تُذكر في هذه الخرائط، مما زاد من تعريض حياة المدنيين للخطر وعقد عمليات إزالة الألغام ، ومما لا شك فيه فإن هذا الوضع يسلط الضوء على مخاوف جدية بشأن الامتثال للمعايير الإنسانية الدولية. لذلك، دعا المجتمع الدولي أرمينيا بشكل متزايد إلى التعاون بشكل كامل من خلال تقديم بيانات دقيقة وشاملة عن مواقع الألغام، وتواصل المنظمات الإنسانية الدولية في اللوقت نفسه للدعوة إلى مزيد من المساءلة وتوسيع نطاق الدعم لمعالجة المعاناة الإنسانية المستمرة الناجمة عن التلوث بالمتفجرات.
وما هو واضح للعيان ، فإن انخراط أذربيجان الدولي الفعال في قضايا الألغام الأرضية يتجاوز مجرد طلب المساعدة لمواجهة تحدياتها الخاصة. بل ينطلق هذا الانخراط من منظور إنساني أوسع يُقرّ بالأثر المدمر للألغام على البشرية جمعاء، ولطالما دعت أذربيجان إلى تعزيز التعاون العالمي، وساهمت في الجهود الدولية لإزالة الألغام، مُظهرةً تضامنها مع المناطق الأخرى المتضررة.
إننا نؤمن بأن تضافر الجهود يمكّن المجتمع الدولي من إنقاذ الأرواح، ويمهد الطريق لمستقبل لا يعيش فيه أحد - رجلاً كان أو امرأة أو طفلاً - في خوف من هذه المخاطر الخفية. لا شك بإنها مهمة معقدة وشاقة تتطلب التزاماً مستمراً وعملاً جماعياً، إن دعم جهود أذربيجان في إزالة الألغام لن يُسهم فقط في التئام جراح الصراع الماضي، بل سيُسهم أيضاً في استعادة الاستقرار والازدهار، كما أن إعادة تأهيل المناطق المتضررة وعودة السكان النازحين سالمين من شأنه أن يُحوّل تاريخاً مثقلاً بالمعاناة إلى مثالٍ قوي على الصمود والتعافي للعالم أجمع.
يُعد التعاون الدولي وتبادل الخبرات بُعدًا هامًا في هذا المسعى، وفي هذا الصدد، أثبت التعاون مع اللجنة الوطنية لإزالة الألغام وإعادة التأهيل (NCDR) وفريق الاستشارات العربي للأعمال المتعلقة بالألغام (AMACC) جدواه البالغة. وقد زار صاحب السمو الملكي الأمير مرعد رعد الحسين باكو بصفته رئيسًا للجنة بينما شارك خبراء من هاتين المؤسستين بفعالية في مؤتمرات دولية حول الأعمال المتعلقة بالألغام استضافتها أذربيجان. وتُقدّم تجربة الأردن، بوصفها أول دولة عربية تُعلن خلوّ مناطقها من الألغام، نموذجًا هامًا لنجاح إزالة الألغام والتعافي بعد إزالتها.
وفي نهاية المطاف، يجب على المجتمع الدولي أن يتحد معا لمواجهة المعاناة الناجمة عن الألغام الأرضية، التي لا تزال تحصد الأرواح عشوائيًا في مناطق ما بعد النزاعات. ويُشكّل استخدام هذه الألغام انتهاكًا جسيمًا لحقوق الإنسان، ويترك ندوبًا عميقة ودائمة في المجتمعات حتى بعد انتهاء النزاعات. لذا، فإنّ استجابة عالمية منسقة وممولة تمويلًا كافيًا وقائمة على المبادئ ضرورية للقضاء على هذا الخطر وضمان مستقبل أكثر أمانًا للجميع.
... ندعو المجتمع الدولي إلى تعزيز دعمه لجهود إزالة الألغام لأغراض إنسانية ومساعدة الضحايا.
ولا بد من التأكيد بإن مستقبلاً خالياً من الألغام ضروري لتحقيق السلام المستدام والتنمية والأمن البشري.