حين تتكلم المخالب: عالمٌ تحكمه القوة وتفضحه المعايير المزدوجة.
المشكلة ليست في أن العالم أصبح غابة… بل في أنه لم يتوقف يومًا عن ذلك، لكننا كنا نُخدَّر بلغةٍ دبلوماسية تُجمّل الأنياب وتخفي المخالب.
اليوم، لم يعد أحد يكلف نفسه عناء التجميل ، مبدأ "القوة أولًا” خرج من الغرف المغلقة إلى الشاشات المفتوحة، وأصبحت البلطجة السياسية تُمارَس على الهواء مباشرة، ويُصفَّق لها أحيانًا باعتبارها "حزمًا” و”حمايةً للمصالح” ، الفارق الوحيد بين الأمس واليوم أن الوقاحة أصبحت سياسة مُعلنة، لا سلوكًا مُبطّنًا.
في ظل هذا المشهد، تتكرّس المعايير المزدوجة بشكل فج ، ما يُدان في مكان، يُبرَّر في مكان آخر ، وما يُعدّ عدوانًا هنا، يُسمّى "دفاعًا عن النفس” هناك، القانون الدولي ذاته بات انتقائيًا، يُستدعى حين يخدم الأقوياء، ويُهمَل حين يُدينهم ، وهكذا لم يعد ميزان العدالة مختلًا فحسب، بل أصبح أداةً بيد من يملك القدرة على فرض روايته.
أما نحن في الشرق الأوسط، فنقف غالبًا بين متفرّجٍ مُكره، أو مُصفّقٍ مُضطر، أو صامتٍ يعرف الحقيقة لكنه لا يملك أدوات الفعل ، الأخطر من العجز هو التكيّف مع هذا الواقع، حتى يصبح الاستسلام له نوعًا من "الواقعية السياسية” التي نُبرّر بها ضعفنا.
والمفارقة المؤلمة، أننا ندرك — أكثر من غيرنا — هشاشة بعض من يتصدرون مشهد "القوة” ، نرى قراراتٍ تُبنى على نزق، واستراتيجياتٍ تُدار بعقلية قصيرة النظر، ومع ذلك تُفرض على العالم كأنها قدر لا يُرد ، إنها قوةٌ بلا حكمة، ونفوذٌ بلا مسؤولية، لكن من يملك القوة لا يحتاج دائمًا إلى أن يكون على حق.
الحقيقة التي يتجاهلها الكثيرون أن العالم لا يحترم إلا من يملك أدوات التأثير ، لا مكان في خرائط النفوذ لمن يكتفي بدور الضحية أو يراهن على عدالةٍ عمياء. فالتاريخ لم يُكتب يومًا بالحُجج وحدها، بل كُتب بالقوة التي تحمي هذه الحُجج.
ومع ذلك فإن اختزال الطريق بالقوة وحدها خطأ جسيم، فالقوة التي لا يضبطها وعي، ولا توجهها مصلحة جماعية، تتحول إلى عبء على أصحابها قبل غيرهم ، ما نحتاجه ليس مجرد استعراض للقوة، بل بناء حقيقي لها: اقتصاديًا، سياسيًا، علميًا، وإنسانيًا.
العالم العربي لا تنقصه الإمكانيات ، ثروات طبيعية هائلة، وطاقات بشرية شابة، وموقع جغرافي لا يُقدّر بثمن ، ما ينقصه هو الإرادة المشتركة، والرؤية الموحدة، والقدرة على تحويل هذه الإمكانيات إلى نفوذ حقيقي.
ربما لا نملك اليوم تغيير قواعد اللعبة، لكننا نملك — إن أردنا — أن نعيد ترتيب أوراقنا داخلها ، فالعالم الذي تحكمه شريعة الغاب لا يرحم الضعفاء، لكنه في الوقت ذاته يفسح المجال لمن يعرف كيف يبني قوته بذكاء، لا بتهور.
وفي النهاية، قد نُجبر على التعايش مع واقعٍ قاسٍ، لكن لا شيء يجبرنا على أن نفقد كرامتنا ، فبين وهم "المدنية الزائفة” وحقيقة "القوة العارية”، تبقى الكرامة هي السلاح الوحيد الذي لا يمكن مصادرته… إن نحن تمسّكنا به.