حين تتحول الشعبوية إلى قارب نجاة زائف.

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، يطفو على السطح مشهدٌ مقلق ، أشخاصٌ يتقنون ركوب موجة الشعبوية، لا بحثًا عن الحقيقة ولا خدمةً للصالح العام، بل طمعًا في الأضواء وتصفيق الجماهير ، هؤلاء لا يهمهم المبدأ بقدر ما يهمهم المشهد، ولا تعنيهم القضايا بقدر ما يعنيهم عدد المتابعين وحجم التفاعل.

ترى أحدهم يهاجم جهةً بعينها بضراوة، ويقدّم نفسه وكأنه صوت الناس والمدافع عنهم، لكنه في الحقيقة لا يفعل سوى ركوب موجة الغضب ، وما إن تتغير الاتجاهات أو يصدر موقف رسمي مغاير، حتى ينقلب على عقبيه، مبدلًا خطابه ومواقفه، وكأن شيئًا لم يكن ، هذا السلوك لا يختلف كثيرًا عن الحرباء التي تغيّر لونها وفق البيئة المحيطة ، لا ثبات في الموقف ولا صدق في الطرح.

المشكلة لا تقف عند حدود هؤلاء، بل تتعداها إلى بيئة رقمية خصبة تُغذّي هذا النمط من السلوك ، الذباب الإلكتروني، الحسابات الوهمية والمغلقة، حملات منظمة تضرب على أوتار الإقليمية البغيضة، وتزرع الفرقة بين أبناء المجتمع الواحد ، الأخطر من ذلك أن هناك من ينساق خلف هذه الأصوات، ينقل ما يُنشر دون تحقق، ويساهم – عن قصد أو دون قصد – في تأجيج الأجواء ونشر خطاب الكراهية.

في خضم هذه الفوضى، تضيع البوصلة ، يصبح التصفيق لهذا أو ذاك هدفًا بحد ذاته، بينما الحقيقة أن ما يحيط بنا من تحديات ومخاطر أكبر بكثير من الانشغال بمزايدات شعبوية لا تُغني ولا تُسمن من جوع ، الأوطان لا تُبنى بالصراخ، ولا تُحمى بالشعارات، بل بالوعي والعمل الصادق والمسؤولية.

حب الأردن لا يُقاس بارتفاع الصوت ولا بعدد المنشورات، بل يُقاس بالفعل الحقيقي، بالعمل بصمت حين يتطلب الأمر، وبالموقف الثابت حين تشتد الضغوط ، من يحب هذا الوطن حقًا، يدرك أن مصلحته فوق كل اعتبار، وأن الحفاظ على تماسكه ووحدته أولوية لا تقبل المساومة.

لقد آن الأوان أن نُميّز بين من يسعى لخدمة الوطن، ومن يسعى لاستخدامه منصةً للشهرة ، وأن نُدرك أن الشعبوية، مهما بدت براقة في ظاهرها، قد أصبحت رائحتها تزكم الأنوف، ولم تعد تنطلي على من يقرأ المشهد بوعي وبصيرة.