الفوضى الرقمية… حين تتحول الكلمة إلى تهديد للأمن القومي.
يشهد الفضاء الرقمي اليوم حالة من الفوضى غير المسبوقة، حيث اختلطت فيه الآراء بالحقائق، وتساوت فيه أصوات الخبراء مع غير المختصين، حتى أصبح من الصعب على المتلقي التمييز بين ما هو موضوعي وما هو موجّه أو مضلل ، ومع هذا الانفتاح الواسع، برزت ظاهرة خطيرة تتمثل في اندفاع البعض لإبداء الرأي في كل قضية، دون إدراك لحجم المسؤولية أو لتداعيات ما يُنشر، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس الأمن والاستقرار.
لم يعد امتلاك حساب على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتعبير، بل تحول لدى البعض إلى منصة للتأثير، قد تُستخدم – بقصد أو دون قصد – في إثارة الفتن، أو تغذية الانقسامات، أو نشر معلومات غير دقيقة تفتح الباب أمام التأويلات الخطيرة. وفي ظل هذا المشهد، تستغل جهات منظمة هذه الفوضى لبث الشائعات، وتوجيه الرأي العام، وضرب الثقة بالمؤسسات، ما يشكل تهديداً حقيقياً للأمن القومي، ليس فقط من منظور أمني، بل أيضاً من زاوية التماسك المجتمعي.
إن ضبط هذا الفضاء الواسع ليس بالأمر السهل، بل قد يكون مستحيلاً بالوسائل التقليدية، مما يجعل من التوعية الرقمية خياراً استراتيجياً لا بديل عنه ، توعية تقوم على بناء وعي نقدي لدى الأفراد، وتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات، وفهم مخاطر إعادة نشر المحتوى دون تمحيص، إلى جانب ترسيخ مفهوم أن الحرية الرقمية تقترن دائماً بالمسؤولية.
كما أن المسؤولية لا تقع على الأفراد فقط، بل تتطلب شراكة متكاملة بين المؤسسات التعليمية والإعلامية، والجهات الرسمية، ومنصات التواصل نفسها، لوضع برامج توعوية ممنهجة تستهدف مختلف الفئات، خاصة فئة الشباب، باعتبارهم الأكثر تفاعلاً وتأثراً.
في النهاية، إن الحفاظ على أمننا القومي لم يعد يقتصر على الحدود الجغرافية، بل امتد ليشمل حدوداً رقمية مفتوحة، تحتاج إلى وعي يقظ، وسلوك مسؤول، وإدراك عميق بأن كلمة واحدة قد تبني وعياً… أو تهدم استقراراً بأكمله.
المهندس عبدالحميد الرحامنة.