تجاهل الأمهات الجدد.. كيف تؤثر هذه الظاهرة عليهنّ؟

عندما كانت كاثرين حاملًا في الصيف الماضي، لمس العديد من الأشخاص بطنها الذي يكبر من دون طلب إذن. في المواعيد الطبية وغرف الولادة والتعافي، كان المحترفون الصحيون ينادونها بـ"ماما" عوض اسمها.

لكنّ كاثرين رأت بهذه التصرّفات أولى علامات تجاهل بعض الأشخاص لهويّتها واستقلالها. كانوا يغفلون المرأة التي كنت عليها طوال حياتي: صديقة رائعة، وزوجة، وأخت، وامرأة مجتهدة، ومغنية جميلة وهاوية للمسرح.

هذا التحوّل المحبط استمرّ منذ وضعت كاثرين (اسم مستعار لحماية خصوصيتها) ابنتها. قالت: "أخبرت زوجي أنني أشعر وكأن قيمتي تغيّرت بعد إنجاب طفلتي. وكأنّ ثمة من يدفعني إلى الخلف. ابنتي رائعة، وأريد من الجميع أن يحبها. لكن في الوقت عينه، تحملين لتسعة أشهر، وتعانين من مخاض الولادة، ثم تتمحور الحياة حول الطفل". 

بعض الأشخاص أخبروا كاثرين صراحةً: "الأمر لم يعد عنك بعد الآن". وخلال الزيارات، لم يتمكّن بعضهم من تقديم المساعدة بالأعمال المنزلية أو الاحتياجات الأخرى بعد الولادة لأنهم كانوا مشغولين بابنتها فقط.

يبدو أن فقدان القيمة بعد الولادة تجربة شبه عامة يختبرها الأهل الجدد، لكنها أكثر شيوعًا عند الأمهات. هذا التهميش منتشر أيضًا على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُظهر مقاطع الفيديو التي يُقصد بها الفكاهة عمات وأجداد يتخطّون الأهل الجدد للوصول إلى الطفل، أو يغلقون مكالمات الفيديو عندما يجيب الأهل والحفيد غير ظاهر على الشاشة.

هذا النوع من المزاح من خلال التصرفات والتعليقات المهملة قد تؤذي وتضر بصحة الأهل النفسية، وقيمتهم الذاتية، وإحساسهم بالمجتمع. لكن التأثيرات لا "تُناقش بما يكفي في مجتمعنا"، وفق شيفان ألفاريز-بورلاند، القابلة النفسية بعد الولادة في منطقة مترو أتلانتا.

أن تكون واعيًا لكيفية مساهمتك في ما يسميه البعض "الاختفاء الأمومي" يمكن أن يساعدك على أن تصبح شخصًا أكثر اعتدالًا ويُشعر الأهل الجدد بالقيمة والدعم. إذ يمكن للوعي المساهمة أيضًا بهدم التحيز غير المعلن الذي يحمله الناس حول ما تبدو عليه فترة ما بعد الولادة مقابل ما هي عليه فعليًا". 

ما دوافع هذه التصرفات؟

جزء منها يعود إلى ندرة التطرّق إلى هذه القضية، لأنّ بعض الأمهات يشعرن غالبًا بالقلق من مواجهة الأصدقاء والعائلة خوفًا من أن يُنظر إليهنّ بشكل سلبي جراء تعبيرهنّ عن ألمهنّ واحتياجاتهنّ، وهذا أمر شائع.

غالبًا ما يفوق شعور الانبهار بالأطفال الرائعين الاهتمام بالأحباء البالغين الذين أنجبوهم، وهذا أمر طبيعي إلى حد ما، وربما ميزة تطورية. فلحمل الطفل شعور ممتع، ومشاهدته مسلية، والأمران يتطلبان قليلًا جدًا من الجهد العاطفي، بحسب ألفاريز-بورلاند، التي أضافت: "سأكذب إذا قلت إنه لم تحدث لي مرات قليلة اضطررت فيها للسيطرة على حماستي هذه".

وقالت تشيلسي كوكس، (31 عامًا)، وأم لثلاثة أطفال، المقيمة في ساوث كارولاينا: "يصبح الناس شبه مهووسين بالطفل، وينسون الأهل، خصوصًا الأم". فما كان منها إلا أن نشرت في فبراير/شباط الماضي مقطعًا على منصتي إنستغرام وتيك توك بعنوان "لا تعرضي على الأم الجديدة رعاية الطفل"، بسبب إحباطها من عدم تركيز الناس على ما قد تحتاج إليه الأمهات الجدد للشعور بالدعم، فلاقى انتشارًا واسعًا.

وأوضحت أن "بعض الأمهات اللواتي أجريت معهنّ مقابلات ذكرن أنّ الأنانية سبب آخر يجعل بعض الناس يضعون الطفل في المقدمة على حساب السؤال عن رفاهية الأم أو كيف يمكنهم أن يكونوا مفيدين لها".

وجزء من الدوافع يتّصل في كثير من الحالات بالقيم الأبوية الذكورية التمييزية، أحيانًا تكون غير واعية، وأحيانًا واضحة، وحتى عندما تكون المرأة هي الفاعلة. 

وتطرّقت الدكتورة كيتلين كولينز، الأستاذة المساعدة بعلم الاجتماع في جامعة واشنطن، سانت لويسإلى إلى "الأعراف الاجتماعية المتجذرة  التي تجعلنا نميل إلى تمجيد الذكورة والتقليل من قيمة الأنوثة. نرى أجساد النساء وكأنها ليست ملكًا كاملًا لهنّ، كما أنّ لدينا قوانين في بلادنا تحدّد ما يمكن وما لا يمكن للنساء فعله بأجسادهنّ، وهذا الأمر لا يسري على الرجال".

وافقتها ألفاريز-بورلاند بالقول إن "الكثير من الطرق التي ننظر بها إلى الأمهات والآباء الجدد تتشكل من توقعات تمييزية. الأبوة غالبًا ما تُرى كقيمة مضافة إلى هويتهم، بينما الأمومة فمتوقّعة ما أن تصبح المرأة أمًا"، مضيفة أنّ لغة من هذا النوع غالبًا ما تركّز فقط على الجوانب الإيجابية للأمومة، ما يُشعر النساء "بأنهنّ أقل قدرة على التعبير عن الأفكار المخيفة أو الارتباك أو الصعوبات".

وتابعت: "الآباء يُمدحون على المشاركة، بينما يُتوقع من الأمهات ببساطة أن يذبن في هذا الدور من دون تقدير أو دعم، وأن يتصرفن برقي من دون شكوى".

ولفتت ألفاريز-بورلاند إلى أنّ هذه المعايير المزدوجة تشكّل إلى حد كبير طريقة تفاعل الناس مع الأهل الجدد منذ اليوم الأول.

عدم فهم فترة ما بعد الولادة

قالت جوردانا لامب، أم لأربعة أطفال تقل أعمارهم عن ست سنوات في أونتاريو بكندا، إن هذا التجاهل قد ينتج أيضًا عن عدم إدراك مدى التغير الجذري الذي تحدثه فترة ما بعد الولادة في حياة كثير من النساء.

وأوضحت ألفاريز-بورلاند: "بعد الولادة، تحاولين معرفة كيف تحافظين على حياة جديدة تمامًا، بينما تتعافين من صدمة جسدية كبيرة". مضيفة أنه "بغض النظر عن طريقة الولادة، قد تنزف النساء لأسابيع بعد ذلك، وبعضهن يضطررن إلى استخدام حفاضات للبالغين. كما قد تعاني الأمهات الجدد ألمًا عند استخدام الحمام نتيجة مضاعفات الولادة مثل تمزق المهبل، وألمًا في البطن عندما يعود الرحم إلى حجمه الطبيعي. وقد يتساقط شعر بعضهنّ بعد الولادة، ويعانين من حب الشباب، والجفاف، والحرمان من النوم، ومضاعفات مثل تسمم الحمل بعد الولادة".

كيف يؤثر هذا الإهمال على النساء؟

بالنسبة إلى كثير من النساء، قد يكون إدراكهنّ المتزايد أن الأشخاص الذين عرفوهنّ لسنوات طويلة، أو حتى طوال حياتهن، لم يعودوا يقدرونهنّ بالطريقة نفسها، أمرًا مؤلمًا.

وقالت ألفاريز-بورلاند إن هذا التهميش قد يؤدي أيضًا إلى مشاعر الاستياء والقلق واكتئاب ما بعد الولادة.

فبالنسبة للامب كان هذا التحول "مدمرًا تمامًا"، مشيرة إلى "أنني كنت صغيرة جدًا أحاول التعامل مع فقدان مجموعة كبيرة من الأصدقاء الذين كنت أعتقد أنهم نظام الدعم الخاص بي".

وأضافت ألفاريز-بورلاند أن هذا الإهمال قد يشعر النساء أيضًا بعدم الارتياح عند طلب المساعدة.

وبالنسبة إلى كثير من الأهل الجدد، تكون هذه التصرفات المؤذية أكثر إيلامًا عندما تصدر من والديهم الذين يتحوّل حبهم واهتمامهم فجأة لحفيدهم.

كيف يمكن أن تكون أكثر دعمًا

لتقديم دعم أفضل للأهل الجدد، وحتى غير الجدد، في حياتك، مع إظهار محبتك لطفلهم الصغير. هناك أمران: 

  • سؤال كيف يمكن دعمهنّ على أفضل وجه،
  • أو المبادرة إلى القيام ببعض المهام الواضحة.

وقالت كوكس إن المبادرة قد تساعد على تجنب شعور الأهل بالإرهاق من التفكير في قائمة من المهام أو القلق من أنهم قد يثقلون كاهل الآخرين بطلباتهم.

ولا يعني ذلك أنك يجب ألا تعرض أبدًا المساعدة مع الطفل. فقد عرضت مرات كثيرة إطعام طفلة كاثرين أو اللعب معها أو تحميمها لمنحها وقتًا لممارسة الرياضة أو القيلولة أو القيام بشيء تحبه، أو ببساطة لكسر رتابة التعامل مع كل شيء وحدها فيما زوجها في العمل.