الجزائر بين مكاسب النفط ومخاطر الاعتماد.. هل تنقذها الحرب على إيران أم تؤجل الأزمة؟
في وقت تتسع فيه المخاوف لدى العديد من الدول من تداعيات الحرب في إيران على اقتصاداتها، بفعل الارتفاع الحاد في أسعار المحروقات، تستفيد الجزائر من حالة التصعيد في الشرق الأوسط، وذلك بعد سنوات من الضغوط على ميزانيتها وتراجع احتياطاتها. غير أن السؤال الجوهري يظل مطروحاً: هل تمثل هذه التطورات فرصةً حقيقيةً لتصحيح المسار الاقتصادي، أم مجرد متنفس ظرفي يؤجل أزمة أعمق؟
طفرة في الأسعار
تشكل صادرات المحروقات نحو 90% من إجمالي صادرات الجزائر، وقرابة 60% من إيرادات الميزانية، ما يعكس حجم التبعية الكبيرة لهذا القطاع. وفي هذا السياق، يشكل ارتفاع الأسعار العالمية عاملاً مهماً في تخفيف العجز المتوقع في ميزانية عام 2026، التي تعد قياسية وتقدر بنحو 135 مليار دولار، يخصص نحو ثلثها لأجور القطاع العام.
ويرى محللون أن استمرار التوتر في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى مزيد من اضطراب الإمدادات العالمية، ما يدفع الدول الأوروبية إلى البحث عن شركاء أكثر استقراراً، وفي مقدمتهم الجزائر.
ومع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثالث، تجاوز سعر خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل في تعاملات الاثنين، ويمنح تحليق الأسعار البلد سيولة دولارية ضرورية لسداد الديون الخارجية وزيادة مداخيل الدولة بشكل ملحوظ، بما يخفف الضغط على المالية العمومية ويدعم تمويل الإنفاق الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، يؤكد الأستاذ الجامعي والخبير الطاقوي أحمد طرطار في تصريح لـ"النهار"، أن النفط الجزائري يستفيد من هذه التطورات من زاوية الأسعار، إذ تجاوز سعر خام "صحاري بلاند" 110 دولارات، ليصبح الأعلى حالياً نظراً لجودته العالية، متفوقاً على خام برنت الذي يعد السعر المرجعي عالمياً.
غير أنه يشير في المقابل، إلى محدودية استفادة الجزائر من هذه الطفرة، بسبب ضعف حجم الإنتاج مقارنةً بدول كبرى مثل السعودية والإمارات والكويت والعراق وإيران. كما يوضح أن الجزائر، بصفتها عضواً في مجموعة "أوبك بلاس" وأحد مؤسسيها، تظل مقيدةً بحصص الإنتاج التي تحددها المنظمة، والمقدرة بنحو 977 ألف برميل يومياً، وذلك "رغم امتلاكها احتياطيات مهمة" وفق قوله.
الغاز أيضاً في الواجهة
وامتدت مكاسب الجزائر من التطورات الأخيرة إلى الغاز الطبيعي، خاصةً في ظل استمرار الطلب الأوروبي المرتفع منذ أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا.
وفي هذا السياق، عززت الجزائر، عبر شركة سوناطراك، موقعها كمورد بديل لأوروبا، ما ساهم في رفع عائداتها وفق البروفيسور والخبير الاقتصادي مراد كواشي.
من جهته يؤكد طرطار أن "الجزائر تستفيد من موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية، فضلاً عن قربها من أوروبا، في ظل الطلب الأوروبي المتزايد". كما يشير إلى أن رفع إنتاج الغاز قد يمكن الجزائر من تعويض جزء من الإمدادات الروسية، إلى جانب فرص التوسع في تصدير الهيدروجين الأخضر، خاصة بعد توقيع عقود نوايا في 2025، يرتقب الشروع في تنفيذها خلال العام الجاري.
متنفس للمالية العمومية
رغم الاجماع على أنها لا تقدم حلاً جذرياً للاختلالات الهيكلية، يرى عدد من الخبراء أن التطورات الراهنة توفر متنفساً مهماً للمالية الجزائرية.
وفي هذا الصدد يعتبر كواشي أن ما يحدث في الشرق الأوسط قد يصب في مصلحة الجزائر، مشيراً إلى أن موازنة 2026 بُنيت على أساس سعر مرجعي للنفط في حدود 60 دولاراً.
ويقول: "مع تجاوز الأسعار حاجز 100 دولار، قد يشكل الفارق الإيجابي رافعة تمويلية للحكومة، من خلال دعم صندوق ضبط الإيرادات، الذي شهد تراجعاً في السنوات الأخيرة، إضافة إلى تقليص عجز الميزانية وتعزيز قيمة الدينار الجزائري".
كما يمكن لهذا الفائض، بحسب كواشي، أن يدعم تمويل مشاريع البنية التحتية والمشاريع الاقتصادية، بما يسهم في تحقيق التنويع الاقتصادي وتقليص الاعتماد على المحروقات.
بين الفرصة والتأجيل
رغم هذا الانتعاش الظرفي، يظل الاقتصاد الجزائري، وفق آراء خبراء، عرضة لتقلبات السوق العالمية، في ظل استمرار التبعية الكبيرة لقطاع المحروقات، وهو ما يعيق مسار التنويع الاقتصادي.
وتتضمن موازنة الجزائر لعام 2025 نفقات قياسية تقدر بنحو 135.17 مليار دولار، فيما تستهدف الحكومة خفض عجز الميزانية بنسبة 35.5% ليصل إلى نحو 40 مليار دولار.
ورغم استفادة الجزائر حالياً من ظرف دولي استثنائي، مدفوع بارتفاع الأسعار وزيادة الطلب الأوروبي، فإن هذه العوامل تبقى خارج نطاق التحكم الوطني.
وفي المحصلة، يظل الرهان الحقيقي للاقتصاد الجزائري مدى قدرته على كسر الحلقة التاريخية للاعتماد على المحروقات، وبناء نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً واستدامة بعيداً عن تقلبات سعر برميل النفط.