هرمز في الواجهة
في أول رد فعل إيراني على الهجوم الأميركي– الإسرائيلي يوم 28 فبراير (شباط) الماضي، تعرضت عواصم عربية عدة لهجمات بصواريخ باليستية إيرانية، وأعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، الأمر الذي أفضى إلى ارتفاع في سعر برميل النفط بالأسواق الدولية، وهو أمر متوقع جداً.
خلال مؤتمر صحافي عقده الرئيس ترمب بعد الضربة، سئل عن ارتفاع سعر النفط، فأجاب إن ما حدث لا يعدو أن يكون «Glitch». وهو مصطلح يطلق على خلل في نظام الحاسوب، يستخدم في أغلب الأحيان لوصف خطأ عابر يقوم بتصحيح نفسه. واستعارته من قبل الرئيس ترمب مجانبة للصواب، والهدف هو التقليل من شأن ارتفاع أسعار النفط وتأثيراته على المواطن الأميركي وعلى غيره من شعوب العالم.
الحربُ الدائرة الآن ضد إيران أعادت النفط إلى الواجهة بعد غياب أربعة أعوام، أي منذ بدء الحرب الأوكرانية - الروسية. عودته إلى الواجهة وبقوة أبانت أن نفوذه ما زال قوي التأثير في حركة اقتصادات العالم. ارتفاع سعر البرميل إلى ما فوق مائة دولار أميركي خلال الأيام القليلة الماضية أوضح برهان.
إغلاق خط الملاحة في مضيق هرمز من قبل إيران أو من قبل أي فاعل سيؤلب دول العالم عليه؛ لأن هذا المضيق تمر عبره مصادر كثيرة للطاقة، لإضاءة مدن، وتشغيل مصانع، وبناء منازل، وإقامة مشاريع عملاقة، ولولا هذه الطاقة لتوقف كل شيء.
تجاوز سعر البرميل خط مائة دولار أميركي، وأعاد إلى الأذهان ما حدث للعالم في السبعينيات من القرن الماضي، حين قررت الدول المصدِّرة للنفط حظر التصدير؛ ما أدى إلى تصاعد سعر البرميل الواحد أربعة أضعاف خلال أشهر قليلة. وأيضاً ما حدث من ارتفاع في الأسعار عقب نشوب الحرب الأوكرانية منذ أربعة أعوام.
الإحصاءات الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية، تبين أنَّ نسبة الاعتماد على النفط عالمياً تصل إلى 30 في المائة، وأنَّ العالم يستخدم ضعف ما كان يستخدمه في السبعينيات من النفط. وهذا يعني ببساطة، -استناداً إلى آراء خبراء- أنَّ مسافة زمنية طويلة جداً تفصل بين عالمنا وبين حلمه في الوصول إلى مرحلة «ما بعد النفط».
بناءً على ذلك، يتضح أن ما يدور من أحاديث في وسائل الإعلام عن عالم خالٍ من النفط في المدى المنظور ليس سوى طموحٍ نظري مشروع، إلا أنه يصطدم بحقائق الواقع الجيوسياسي؛ إذ لا تزال القوى العظمى تعيد رسم خرائط نفوذها بناءً على مواقع آبار الخام وممرات شحنه. وبذلك يبقى النفط -كما كان- هو المحرك الفعلي للتاريخ والجغرافيا معاً.
في فنزويلا، كان النفط الدافع الأول وراء تحرك الإدارة الأميركية للتخلص من الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وبالتخلص منه تمكنت من الوصول إلى هدفها: السيطرة على أكبر احتياطي نفطي في العالم. بعد فنزويلا تحركت واشنطن نحو كوبا، ليس بغرض الاستحواذ على النفط -لأنَّ كوبا لا تنتجه- بل لتحويل النفط إلى سلاح سياسي فعَّال، من خلال حرمانها من وصول شحنات النفط الفنزويلي التي كانت تصلها مجاناً من الرئيس مادورو، لقاء توفير الحماية الأمنية الشخصية له. النفط في هذه الحالة تحول إلى سلاح سياسي ضد النظام الكوبي بهدف إسقاطه. النفط كذلك لم يغب عن ذهن الرئيس ترمب في هذه الحرب؛ إذ تفادت الطائرات الأميركية المقاتلة والقاذفة ضرب المواني النفطية الإيرانية في جزيرة خرج؛ حيث يتم تصدير 9 من كل 10 براميل نفط تنتجها إيران. السبب في ذلك يعود إلى حرص واشنطن على عدم إرباك أسواق النفط أكثر، وكذلك الخوف من أن يؤدي تدميرها إلى الضرب الأعمى ونشر الفوضى على نطاق واسع. وذكرت تقارير إعلامية بريطانية أن شاحنات النفط الضخمة ما زالت حتى هذا الأسبوع تأتي إلى الجزيرة لشحن النفط الإيراني.
أميركا وإسرائيل تمتلكان استراتيجية عسكرية واضحة فيما تودان إنجازه في الميدان العسكري، ولكنهما تفتقدان لاستراتيجية سياسية للغاية منها. والعكس صحيح في حالة إيران؛ أي وضوح الاستراتيجية السياسية: المحافظة على عدم سقوط النظام، بتبني مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة».
هناك من المعلِّقين الغربيين من يرى أن مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» ليس مجرد استراتيجية إيرانية فقط للحفاظ على النظام؛ بل يكاد يكون المحرك الضمني لكافة الأطراف المتصارعة؛ خصوصاً واشنطن التي ترى في النفط وسيلتها المثلى لتحقيق غاياتها في تحجيم وتقليص الدور الصيني دولياً واقتصادياً.