مناقشة قانونية لا سياسية لحرب الشرق اوسطية
وليد عبد الحي
يدور الصراع المحتدم في الشرق الاوسط –وتحديدا في الخليج- بين طرفين هما ايران (بمساندة من اطراف عربية من تنظيمات ما دون الدولة في لبنان والعراق وقد تلتحق بهما اليمن ) وبين الولايات المتحدة وحليفتها اسرائيل، لكن هناك دول اخرى (عربية تضم دول الخليج بما فيها العراق ، وكلا من سوريا ولبنان والاردن) وغير عربية (تركيا وقبرص ولو بوتيرة اقل كثيرا من الدول العربية) تعبرها الطائرات والصواريخ التي يستخدمها المتصارعون، وهو ما يطرح السؤال القانوني التالي: كيف ينظر القانون الدولي لعبور الهجمات بين اطراف الصراع أجواء الطرف الثالث- العربي بشكل اساسي- ؟
اولا : السوابق التاريخية:
ثمة وقائع تاريخية تعاطت معها هيئات القضاء الدولي وتتشابه بقدر كبير مع الحالة التي نناقشها :
1- قضية مضيق كورفو(Corfu) التي اصدرت محكمة العدل العليا حكما لها فيه(وكان ذلك اول قرار للمحكمة في 1949)، ويتلخص موضوع المضيق في اصابة مدمرتين بريطانيتين بانفجار الغام بحرية اثناء عبورها مضيق كورفو قبالة الساحل الالباني، وقضت المحكمة حينها بأن:
أ- مبدأ "السيطرة الحصرية للدولة على اقليمها يُحمل البانيا مسئولية الانفجار سواء علمت او لم تعلم بوجود الالغام في مياهها الاقليمية.
ب- قضت المحكمة بان السفن الحربية تتمتع بحق المرور البريء في المضائق الدولية التي تصل بين جانبي أعالي البحار حتى لو كان جزء من المضيق يقع ضمن المياه الاقليمية لاحدى الدول المطلة عليه، لكن دخول السفن البريطانية المياه الاقليمية الالبانية يشكل انتهاكا للسيادة الألبانية.
ما سبق يؤسس لاستنتاجات من حكم المحكمة الدولية هي:
أ- ان الدولة مسؤولة تماما عن الافعال التي تقع ضمن حدود سيادتها الاقليمية .
ب- تلتزم الدول بمنع استخدام اقليمها بشكل ينتهك حقوق الدول الاخرى.
2- قضية الانشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا عام 1986، حيث قضت المحكمة الدولية بان المساعدات – واغلبها كان امريكيا-المقدمة لقوات "الكونترا" ضد الحكومة النيكاراغوية هو انتهاك تام لسيادة نيكاراغوا.
عند نقل ما سبق للسياق الحالي في المواجهة الحالية في الشرق الاوسط (الخليج بشكل محدد) نرى التالي:
1- لا ينطبق حق المرور البريء المطبق على السفن الحربية على الطائرات الحربية التي تعبر المجال الجوي لدولة اخرى، وهو ما تؤكده اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي عام 1944، وهو ما يعني ان الطائرات الحربية او الصواريخ التي تعبر الاجواء العربية هي " خرق مشترك للسيادة العربية من قبل طرفي الصراع "، اما السماح العربي بعبور الطائرات او الصواريخ اجواءها من قِبل احد الطرفي المتصارعين-فان ذلك يرتب احدى النتيجتين التاليتين :
أ- إما انها موافقة على العبور وهو ما يجعلها طرفا في الصراع
ب- او انها لم توافق وهو ما يتضح في حقها باعتراض هذه الصواريخ او الطائرات سواء الامريكية او الاسرائيلية او الايرانية.
2- مفهوم الحياد في النزاع الدولي المسلح: يقوم مبدأ الحياد في النزاعات الدولية المسلحة على قاعدة واضحة هي الالتزام بعدم السماح لاي طرف باستخدام اقليم الدولة للقيام بعمليات عسكرية ضد طرف آخر، وعليه من حق الدولة العربية اعتراض ما يعبر اجوائها سواء اكان امريكا /اسرائيليا او ايرانيا، لكننا نلاحظ ان الاعتراض العربي يتجه لطرف واحد دون الآخر وهو ما يعني التحول غير المباشر الى طرف في الصراع، فنحن نسمع اخبارا عن اسقاط اسلحة طرف واحد فقط،وهو ما يجعل حجة الحياد غير واردة.
3- ان وجود القواعد الاجنبية في الاراضي العربية يجب ان يتم التفريق فيه بين مسألتين: الاولى حق الدولة العربية من منطلق مبدأ السيادة ان تسمح لدولة اخرى بوجود قواعد لها على اراضيها ، اما الثانية فهي قيود استخدام هذه القواعد، فلا يجوز ان يتم استخدام هذه القواعد ضد طرف ثالث ليس هو في حالة حرب مع الدولة ذات السيادة على اقليمها، فوجود القاعدة امر سيادي لكن استخدامها ضد طرف ثالث يفقد الدولة العربية حيادها ويحولها لطرف في الصراع .
4- يبدو الموقف القانوني الاسرائيلي في موضوع التنظيمات ما دون الدولة اقوى ، لانها تعتبر الهجمات من المقاومة على اسرائيل تتم دون موافقة الدولة اللبنانية صاحبة السيادة،كما ان حزب الله لا يُنظر له كطرف سيادي على الاقليم اللبناني ( ونحن هنا نناقش البعد القانوني وليس البعد السياسي الذي له محاجة اخرى مختلفة تماما.).
5- موضوع اغلاق مضيق هرمز: من الضروري التذكير بان ايران ليست طرفا في اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار لعام 1982،فهي وقعت الاتفاقية لكنها لم تصادق عليها، وتتشبث ايران بتطبيق نظام "حق المرور البريء" الذي اسسته اتفاقية جنيف عام 1958 والتي تنص على حق الدولة بمنع المرور البحري "إذا كان ذلك المرور يلحق ضررا بها"، اضافة الى ان نظام المرور البحري لم يكتسب صفة القانون الدولي العرفي الذي يلزم جميع الدول ،مما يجعل ايران غير ملزمة به.
ثمة جانب آخر لا بد من الاشارة له من الناحية القانونية وهو :
أ- ان الحرب بدأت من الطرف الامريكي الاسرائيلي على ايران في ذات الوقت الذي كان التفاوض السياسي بين الطرفين وبرعاية طرف عربي متواصلا ،بل كانت اجواؤه ايجابية ، وهو ما يعني قانونيا خرقا امريكا اسرائيليا .
ب- ان اسرائيل تستخدم الاراضي الفلسطينية المحتلة لشن الهجمات على ايران ولبنان ، ولما كان القانون الدولي يرتب التزامات على دولة الاحتلال من ضمنها عدم استخدام الاراضي المحتلة في اعمال حربية ضد طرف آخر لان اسرائيل لا تمتلك حق السيادة على هذه الاراضي المحتلة.، هنا تصبح اسرائيل مخالفة للالتزاماتا بالقانون الدولي.
ان المخرج لهذه الحلقة المفرغة من الجانب القانوني(وليس من الجانب السياسي) هو ان تتصدى الدول العربية لعبور طرفي الصراع – لا طرف واحد- للاجواء العربية ، كما ان على الدول العربية ان ترفض استخدام المرافق الحربية لدولة اخرى على اراضيها لاستخدامها ضد طرف آخر ..فهل هذا ممكن؟ لا ابحث عن اجابة سياسية،بل اجابة قانونية.