بعد انتخاب المرشد الجديد.. 3 عوامل تمنع تكرار تجربة فنزويلا في إيران
مع إعلان تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا لإيران بعد اغتيال والده آية الله علي خامنئي، تسعى السلطة في طهران إلى إظهار انتقال سريع للقيادة في قمة النظام لمنع أي انطباع بفراغ في رأس الحكم.
غير أن هذه الخطوة لم توقف المقارنات التي ظهرت في النقاش السياسي والإعلامي بين ما يجري في إيران وما حدث في فنزويلا بعد اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في الـ3 من شهر كانو الثاني/يناير الماضي، حين أدى سقوط رأس السلطة إلى فتح مرحلة سياسية جديدة تحت ضغوط داخلية وخارجية لإعادة تشكيل الحكم.
من مادورو إلى خامنئي.. كيف "يصطاد" ترامب الرؤوس الكبيرة؟
أما في إيران، فرغم اغتيال المرشد وتعيين خليفة له، فلا تزال الأجهزة الأمنية والدينية تمسك بمفاصل الدولة، وهو ما يطرح سؤالًا أساسيًّا حول أسباب عدم تحول لحظة اغتيال المرشد في إيران إلى انهيار سياسي مشابه لِما حدث في فنزويلا؟.
ويمكن حصر 3 عوامل تمنع تكرار السيناريو الفنزويلي في إيران، وهي بنية النظام، والمقاربة الأمنية لمراحل الانتقال وقدرة النظام الإيراني على إعادة إنتاج ذاته من الداخل، رغم الانقسامات وصراع الأجنحة.
اختلاف بنية النظامين
تشير المقارنات بين الحالتين إلى أن الفارق الأساسي يكمن في طبيعة بنية الحكم، ففي فنزويلا تركزت السلطة خلال العقدين الأخيرين حول مؤسسة الرئاسة في نموذج تشكّل منذ عهد هوغو تشافيز واستمر مع نيكولاس مادورو، حيث قام النظام على تحالف بين الرئاسة والحزب الاشتراكي الموحد والمؤسسة العسكرية.
ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية وتشديد العقوبات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، أصبح استمرار النظام مرتبطًا بدرجة كبيرة بقدرة الرئيس على الحفاظ على ولاء الجيش وشبكات المصالح المرتبطة باقتصاد الدولة النفطية؛ ما جعل مركز السلطة في كراكاس شديد الارتباط بشخص الرئيس والتوازنات العسكرية والسياسية المحيطة به.
لغز طهران الجديد.. أين مجتبى خامنئي؟
أما في إيران، فقد تشكل النظام بعد ثورة 1979 وفق نموذج يجمع بين الشرعية الدينية ومؤسسات الدولة، حيث تتوزع السلطة بين مؤسسات مثل مجلس الخبراء ومجلس صيانة الدستور والحرس الثوري، ومع مرور العقود توسع نفوذ الحرس الثوري ليصبح أحد أبرز مراكز القوة العسكرية والاقتصادية؛ ما جعل بنية النظام أقل ارتباطًا بشخص المرشد، وأكثر اعتمادًا على منظومة سلطوية مغلقة تعيد توزيع السلطة داخل النخبة الحاكمة.
أداة بقاء النظام
ويحتل الحرس الثوري موقعًا محوريًّا في معادلة السلطة داخل إيران، باعتباره أحد أبرز مراكز القوة في الدولة، فمنذ تأسيسه عقب ثورة 1979 لحماية النظام، تطور من تنظيم ثوري إلى جهاز عسكري أمني واسع النفوذ يمتد حضوره إلى قطاعات اقتصادية وشبكات الاستخبارات والأمن الداخلي.
وبرز دوره بشكل خاص خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، حين تحول إلى مؤسسة عسكرية منظمة تمتلك هياكل قتالية مستقلة؛ ما منحه موقعًا مؤثرًا داخل بنية النظام السياسي.
وخلال العقدين الماضيين توسع نفوذ الحرس الثوري في الاقتصاد الإيراني عبر شركات ومؤسسات مرتبطة به، خصوصًا في قطاعات الطاقة والبناء؛ ما جعله لاعبًا مؤثرًا اقتصاديًّا إلى جانب حضوره العسكري والأمني.
وأدى ذلك الدور المتنامي إلى فرض الولايات المتحدة عقوبات متتالية عليه وعلى كيانات مرتبطة به، متهمةً إياه بالضلوع في أنشطة إقليمية وبرامج عسكرية مثيرة للجدل.
وفي ضوء هذه المكانة داخل بنية النظام، توجهت الأنظار إلى موقف الحرس الثوري بعد اغتيال علي خامنئي وتعيين مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا، إذ يرى كثير من المراقبين أن تماسك هذه المؤسسة أسهم في منع ظهور فراغ فوري في قمة الحكم، عبر استمرار الأجهزة الأمنية المرتبطة بها في الإمساك بمفاصل الدولة.
اختبار النخبة الحاكمة
وفي أدبيات الأنظمة السلطوية تُعد لحظة غياب القائد الأعلى اختبارًا حقيقيًّا لقدرة النخبة الحاكمة على الحفاظ على تماسكها، وفي الحالة الإيرانية وضعت لحظة اغتيال المرشد هذه المعادلة تحت اختبار مباشر، إذ تحركت مؤسسات النظام سريعًا لإعادة ترتيب مراكز السلطة، بينما استمرت الأجهزة الأمنية المرتبطة به في الإمساك بمفاصل الدولة.
غير أن هذا الضبط الأمني لا يعني بالضرورة أن النظام تجاوز أزمته، فالتجربة الإيرانية تُظهر أن التوازنات داخل النخبة الحاكمة كثيرًا ما تخفي صراعات كامنة بين مراكز القوة؛ ما يجعل المرحلة الحالية أقرب إلى إعادة ترتيب داخل هرم السلطة منها إلى استقرار سياسي حقيقي.
مدن صواريخ تحت الأرض.. هل استنفدت واشنطن أهدافها في إيران؟
وليس هذا النمط جديدًا في تاريخ دولة نظام المرشد؛ فبعد وفاة مؤسس النظام آية الله الخميني عام 1989 شهدت مؤسسات الحكم إعادة توزيع للنفوذ داخل النخبة الحاكمة انتهت بصعود علي خامنئي مرشدًا أعلى بعد تعديلات دستورية أعادت رسم موازين الصلاحيات، في مثال مبكر على كيفية إدارة السلطة لأزمات غياب القيادة عبر تفاهمات بين مراكز القوة.
سيناريو إعادة إنتاج النظام
ويتمثل أحد السيناريوهات في قدرة النظام على إعادة إنتاج نفسه من الداخل عبر انتقال السلطة داخل النخبة الحاكمة مع استمرار الأجهزة الأمنية في الإمساك بمفاصل الدولة.
فالأنظمة السلطوية كثيرًا ما تلجأ في لحظات الأزمات، خصوصًا أثناء الحروب، إلى إعادة توزيع النفوذ داخل الدائرة الحاكمة بدلًا من فتح المجال أمام تغيير سياسي حقيقي.
وفي الحالة الإيرانية قد يؤدي هذا المسار إلى تعزيز دور المؤسسات الأمنية والعسكرية في إدارة الدولة، باعتبارها الجهات الأكثر قدرة على ضبط المشهد الداخلي في ظروف الصراع الخارجي.
سيناريو التفكك التدريجي
في المقابل، قد تدفع تداعيات الحرب إلى سيناريو أكثر حساسية يتعلق بما قد يحدث داخل الحرس الثوري، باعتباره المؤسسة الأمنية الأكثر تأثيرًا في بنية السلطة الإيرانية.
لذا فإن أي مؤشرات على انقسام داخل الحرس الثوري، سواء بين قياداته العسكرية أو بين شبكاته السياسية، قد تتحول إلى نقطة ضعف في بنية النظام. فالحروب الخارجية كثيرًا ما تكشف التوترات الكامنة داخل الأجهزة الأمنية، خصوصًا إذا ترافق ذلك مع ضغوط اقتصادية واحتجاجات اجتماعية متصاعدة.
وفي مثل هذه الظروف لا يحدث التفكك عادة بصورة مفاجئة، إنما عبر سلسلة أزمات متراكمة تبدأ بخلل داخل مراكز القوة الأمنية قبل أن تتحول تدريجيًّا إلى تآكل في قدرة النظام على الحفاظ على تماسكه السياسي.