العالم بلا قانون: عندما تحكم شريعة الغاب السياسة الدولية.

في الموروث الشعبي مقولة تُقال على سبيل التندر: "مجنون مجنون حتى سمّم كل آبار الحارة.” وهي تعبير بليغ عن حالة يصبح فيها العبث هو القاعدة، ويغدو الخطر عاماً لا يقتصر على شخص بعينه، بل يمتد ليطال الجميع ، هذه المقولة مع شيء من التصرف، تبدو اليوم أقرب ما تكون لوصف ما يجري في عالمنا المعاصر.

فالعالم الذي طالما تغنّى بالقوانين الدولية، وحقوق الإنسان، وشرعية المؤسسات الأممية، يبدو اليوم وكأنه يخلع تلك الشعارات واحداً تلو الآخر ، لم يعد الحديث عن الأخلاق السياسية أو العدالة الدولية سوى صدى بعيد لخطابات تُلقى في القاعات المغلقة، بينما الواقع على الأرض تحكمه معادلة قديمة قدم التاريخ: القوي يأكل الضعيف.

الحروب المشتعلة في أكثر من بقعة من العالم لم تعد مجرد صراعات سياسية تقليدية، بل أصبحت في كثير من الأحيان أقرب إلى حالة من الفوضى والغوغائية ، قوى كبرى تتصارع على النفوذ، ودول صغيرة تتحول إلى ساحات اختبار للسياسات والمصالح، وشعوب تدفع الثمن من دمائها واستقرارها ومستقبلها.

في مثل هذا المناخ، تتراجع المفاهيم التي طالما قُدِّمت باعتبارها ركائز النظام العالمي: القانون الدولي، سيادة الدول، وحقوق الإنسان ،تتحول هذه المبادئ إلى أدوات انتقائية ، تُرفع كشعارات حين تخدم مصالح الأقوياء، وتُهمل حين تقف في طريقهم.

وما يزيد المشهد قتامة أن هذا الانفلات لا يبدو عابراً أو مؤقتاً، بل يحمل ملامح مرحلة جديدة من العلاقات الدولية ، مرحلة أقرب إلى شريعة الغاب منها إلى نظام عالمي منظم ، في هذه الغابة السياسية، تتصدر الحيوانات المفترسة المشهد، وتفرض قواعدها الخاصة، بينما تُترك الكائنات الأضعف لتواجه مصيرها وحدها.

النتيجة أن العالم يقف اليوم أمام مفارقة قاسية: حضارة بشرية بلغت ذروة التقدم العلمي والتكنولوجي، لكنها في سلوكها السياسي تعود أحياناً إلى أبسط قوانين البقاء البدائية.

ربما لم يكن العالم يوماً مثالياً كما صوّرته الخطابات، لكن ما نشهده اليوم يكشف بوضوح أن الأقنعة بدأت تتساقط، وأن النظام الدولي الذي بُني بعد عقود من الحروب الكبرى يمر بمرحلة اهتزاز عميقة.
المهندس عبدالحميد الرحامنة.