ثقافة المسؤول بين القانون والواسطة.
في كثير من دول العالم، من الطبيعي أن ترى مسؤولاً يسير في الشارع أو يستخدم وسائل النقل العامة كأي مواطن عادي ، قد يمر بجانب الناس دون أن يلفت الانتباه، وربما يبادله البعض ابتسامة عابرة لا أكثر ، ليس لأنهم لا يعرفونه، بل لأنهم يدركون أن وجوده في موقع المسؤولية لا يجعله فوقهم، وأن حقوقهم مصانة بالقانون الذي يطبق على الجميع دون استثناء.
في تلك المجتمعات، لا يحتاج المواطن إلى التقرب من صاحب منصب كي يحصل على حقه، ولا يفكر في البحث عن واسطة أو معرفة شخصية ، المؤسسات تقوم بواجبها، والقانون يحدد المسار، والعدالة الإجرائية تمنح كل ذي حق حقه دون أن يطرق أبواب النفوذ.
أما في كثير من المجتمعات العربية، فالصورة تبدو مختلفة إلى حد كبير ، فعندما يلتقي المواطن بمسؤول، قد يشعر بأن هذه فرصة لا تتكرر، فيسعى للتودد أو التقرب، ليس بدافع الإعجاب بالموقع الوظيفي، بل أملاً في حل مشكلة، أو تسريع معاملة، أو استعادة حق كان من المفترض أن يحصل عليه دون وساطة.
وهنا لا تكمن المشكلة في الأشخاص بقدر ما تكمن في ثقافة ترسخت عبر سنوات طويلة، ثقافة جعلت المنصب أحياناً أقرب إلى باب للنفوذ منه إلى موقع لخدمة الناس ، ومع مرور الوقت، يتحول المسؤول في نظر البعض إلى مركز قوة يمكن أن يمنح أو يمنع، بدلاً من أن يكون جزءاً من منظومة مؤسسات تحكمها القوانين والأنظمة.
إن بناء دولة المؤسسات لا يقوم فقط على القوانين المكتوبة، بل على ثقافة عامة تؤمن بأن الحقوق لا تُطلب عبر العلاقات الشخصية، بل تُضمن عبر أنظمة عادلة وإجراءات واضحة ، فعندما يشعر المواطن أن حقه محفوظ دون وساطة، تتغير نظرته للمسؤول، ويصبح مجرد موظف عام يؤدي واجبه، لا شخصية استثنائية يُسعى للتقرب منها.
وعندها فقط تختفي فكرة "صناعة الأصنام” في الإدارة العامة، ويحل مكانها مبدأ بسيط لكنه عميق: الجميع تحت سقف القانون.