طارق خوري يكتب .. حين يصبح تحليل الفضائيات رواية المعتدي
الغريب في بعض ما يُقدَّم اليوم تحت عنوان "التحليل السياسي” أنه يقفز فوق أصل المشكلة.
لا نسمع إدانة واضحة للهجوم الذي شنّه الكيان الصهيوني وأمريكا على إيران، وكأن الاعتداء بحد ذاته ليس المشكلة. ثم يأتي الحديث بثقة عن أن إيران "لن تصمد”.
ما معنى "لن تصمد”؟
هل المطلوب أن تُقصف دولة وتُستهدف ثم تبقى صامتة حتى يرضى من يعتقدون أنفسهم سادة هذا العصر؟
من الطبيعي أن ينزعج الأردنيون من أي حدث يمس أرض الأردن، وهذا شعور وطني مفهوم. لكن تحويل النقاش إلى لوم الطرف الذي تعرّض للهجوم، وتجاهل المعتدي الأصلي، ليس تحليلاً سياسياً بقدر ما هو تبرير غير مباشر للقوة المعتدية.
والواقع الذي بات واضحاً لكثير من الشعوب العربية والأخص في دول الخليج أن القواعد الأمريكية في المنطقة لم تكن يوماً ضمانة لحماية هذه الدول أو شعوبها، بل يعتقد كثيرون أنها وُجدت أساساً لحماية الكيان الصهيوني ولتكون منصات ضغط أو هجوم على دول الجوار.
أما القول إن الدول العربية اتفقت لأول مرة على مصدر خطر واحد هو إيران، ففيه إساءة كبيرة لهذه الدول وتاريخها. وكأن هذه الدول لم تتفق يوماً على أن الكيان الصهيوني المحتل، القاتل، الذي اغتصب الأرض وارتكب المجازر، هو الخطر الحقيقي على المنطقة.
المشكلة ليست في الاختلاف في الرأي، بل في هذا المنطق الذي يطالب بعض الدول بالصمود تحت القصف دون رد… بينما يقبل ضمناً أن تُقصف من قوى أخرى دون مساءلة.
والأخطر أن بعض من يتصدرون التحليل اليوم على بعض الفضائيات العربية يكررون، بوعي أو من دون وعي، الرواية نفسها التي يرددها المعتدي.
وعندما يصبح تحليل الفضائيات نسخة أخرى من خطاب القوة الغالبة، يتحول التحليل من قراءة للواقع إلى إعادة إنتاج لرواية المعتدي.
السياسة لا تُقاس بحجم المنبر، بل بثبات الموقف.
د. طارق سامي خوري