القواعد الأمريكية في الخليج: ماذا نعرف عنها؟
دوت أصوات انفجارات بالقرب من القواعد الأمريكية في عدد من الدول الخليجية من بينها قطر، البحرين، الإمارات، والكويت وذلك بالتزامن مع تهديدات إيرانية بـِ "رد بلا خطوط حمراء" بعد بدء إسرائيل والولايات المتحدة تنفيذ ضربات على إيران.
و أعلن مركز الاتصال الوطني في البحرين عن تعرض مركز الخدمات التابع للأسطول الخامس الأمريكي والموجود في المملكة لهجوم صاروخي. فيما أعلنت قطر اعتراض صاروخ إيراني في أجواءها بالقرب من قاعدة العديد الأمريكية الواقعة على أراضيها، وفي الإمارات قُتل شخص جراء سقوط شظايا بإحدى المناطق السكنية في أبو ظبي على إثر اعتراض صواريخ إيرانية. وأفادت تقارير بسماع دوي انفجارات في العاصمة السعودية الرياض.
وعقب بدء الغارات الأمريكية الإسرائيلية، أطلقت إيران صواريخ باتجاه إسرائيل، وأعلنت طهران أن القواعد والمراكز التي تُستَخدم للهجوم عليها ستكون هدفا لها.
ومع كل حادثة أو تصعيد أو أزمة تمر بالمنطقة، تخرج تصريحات إيرانية تشير صراحة أو تلميحا إلى الوجود الأمريكي في الخليج باعتباره "عامل زعزعة لاستقرار الخليج ودوله" وأن إيران سترد على أي "تهديد يمثله هذا الوجود".
فما الذي نعرفه عن الوجود الأمريكي في الخليج.
أين يتركز، وما هو حجمه؟
ليس من السهل تتبع الوجود الأمريكي في الخليج بدقة، فهذا الوجود لا يقتصر فقط على القواعد العسكرية الثابتة، لكنه يشمل أيضاً السفن الحربية وحاملات الطائرات وغيرها، كما أن أعداد القوات ومهامها تتغير بشكل مستمر.
اعتمدنا في هذا التقرير على مصادر عدة، مثل بيانات الخارجية الأمريكية والبنتاغون، وخدمة أبحاث الكونغرس، ومؤسسات بحثية ومواقع إخبارية أمريكية، وبعض هذه البيانات محدّث حتى بداية العام 2025، وبعضها يعود لسنوات سابقة، كما تواصلنا في نهاية 2024 مع القيادة الوسطى الأمريكية التي تقع دول الخليج ضمن نطاق مسؤوليتها للحصول على معلومات أكثر.
وأكدت القيادة الوسطى الأمريكية خلال ردّها على استفسارات لبي بي سي، على أن أعداد الجنود الأمريكيين في المنطقة تتغير صعوداً ونزولاً "وفقاً لمتطلبات المهمة ووفقاً للاحتياجات في المنطقة".
قاعدة العديد في قطر
تُعد قاعدة العديد الواقعة إلى الجنوب الغربي من العاصمة الدوحة، أضخم منشأة لسلاح الجو الأمريكي خارج الولايات المتحدة، وفقا للخارجية الأمريكية.
أنشئت القاعدة التي تُسمى أيضاً مطار أبو نخلة عام 1996، عادة ما توصف بأنها القاعدة الأمريكية الأكبر في الشرق الأوسط.
ووفقاً لبيانات محدثة حتى العام 2022 نشرها موقع أكسيوس، فإن عديد القوات الأمريكية في قاعدة العُديد يصل إلى 8 آلاف.
وبحسب خدمة أبحاث الكونغرس، فإن القوات الأمريكية الموجودة في قطر شاركت في العمليات ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا.
وفي بداية العام 2024، نقلت وكالة رويترز عن مصدر لم تسمه، أن الولايات المتحدة توصلت إلى اتفاق مع قطر لتمديد وجود القوات الأمريكية في قاعدة العُديد الجوية لعشر سنوات إضافية. ووفقاً لبيانات وزارة الدفاع الأمريكية التي اطلعت عليها بي بي سي، فإن عدد المباني والمنشآت التي تملكها القوات الأمريكية في القاعدة تراوح صعوداً ونزولاً بين 500 و600 منشأة ومبنى بين الأعوام 2022، و2024.
وتضم القاعدة كذلك مقرات أمامية للقيادة الوسطى الأمريكية والقيادة الوسطى في سلاح الجو الأمريكي.
البحرين والكويت والإمارات
قالت القيادة الوسطى الأمريكية لبي بي سي نهاية 2024، إن لديها نحو 15 ألف جندي في كل من البحرين والكويت والإمارات. مع إعادة التأكيد على أن هذه الأرقام تتغير.
في البحرين، وعلى مقربة من ميناء سلمان في منطقة الجفير، شرق العاصمة المنامة، تقع قاعدة بحرية أمريكية تضم قيادة الأسطول الخامس الأمريكي والقيادة البحرية الوسطى. يُعد ميناء خليفة بن سلمان، شرق العاصمة المنامة "أحد المنشآت البحرية القليلة في الخليج التي تتسع لحاملات الطائرات والسفن البرمائية الأمريكية" - بحسب موقع أكسيوس.
ووفقاً لورقة بحثية نشرتها خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي، فإن الوجود العسكري للبحرية الأمريكية في البحرين يعود إلى العام 1948.
وقّعت البحرين والولايات المتحدة اتفاقية تعاون دفاعي في عام 1991 تم تجديدها لـ 15 عاماً في 2017، وتوفّر البحرين بموجب هذه الاتفاقية إمكانية الوصول والتمركز والتحليق، لتسهيل العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة.
أما الكويت، ووفقاً لنشرة معلومات أصدرتها الخارجية الأمريكية محدثة حتى بداية 2025، تُضيّف أكثر من 13 ألف جندي أمريكي، معظمهم في معسكر عريفجان إلى الجنوب من العاصمة الكويت وفي قاعدة علي السالم الجوية إلى الشرق منها، وتضع هذه الأرقام الكويت في المرتبة الرابعة من حيث عدد الجنود الأمريكيين الذين تُضيّفهم دولة أجنبية، بعد كلّ من ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية.
وتتمركز قوات أمريكية كذلك في قاعدة أحمد الجابر الجوية وقاعدة المبارك الجوية المحاذية لمطار الكويت الدولي وفقاً لبيانات وزارة الدفاع الأمريكية.
لدى الجيش الأمريكي أيضاً نحو 700 منشأة ومبنى في "معسكر بيوري" الواقع في منطقة نائية نسبياً إلى الشمال الغربي من مدينة الكويت، ويضم المعسكر مدرج طيران.
وبحسب خدمة أبحاث الكونغرس، فإن الوجود العسكري الأمريكي للكويت يتيح للولايات المتحدة القدرة على نشر قواتها البرية بشكل سريع في المنطقة.
في الإمارات، تتمركز القوات الأمريكية في قاعدة الظفرة الجوية قرب أبو ظبي، إضافة إلى منشأة بحرية في الفجيرة شرقي البلاد، كما أن ميناء جبل علي غرب دبي قادر على التعامل مع حاملات الطائرات الأمريكية، وفقاً لخدمة أبحاث الكونغرس.
بحسب نشرة معلومات أصدرتها الخارجية الأمريكية محدّثة حتى بداية 2025، فإن قاعدة الظفرة الجوية تُضيّف 3500 عسكري أمريكي، كما توفر الموانئ الإماراتية دعماً لوجستياً "ضرورياً" للبحرية الأمريكية و"تُضيّف مجتمعةً سفناً بحرية أمريكية أكثر من أي ميناء خارج الولايات المتحدة".
بحسب منظمة "المشروع الأمني الأمريكي" فإن القاعدة البحرية في الفجيرة تقع على ساحل خارج مياه الخليج، أي قبل عبور مضيق هرمز، وتوفر ممراً برياً لوجستياً لميناء جبل علي في حال إغلاق مضيق هرمز.
السعودية
أعلنت السعودية في منتصف عام 2019، موافقتها على "تضييّف قوات أمريكية لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة" وفقاً لوكالة الأنباء السعودية (واس)، تبعه إعادة نشر قوات أمريكية، خاصة في قاعدة الأمير سلطان الجوية.
ووفقاً لخارطة محدّثة حتى نهاية 2021 نشرتها منظمة "مشروع الأمن الأمريكي"، فقد تم نشر 1800 فرد من جناح الاستطلاع الجوي رقم 378 في القاعدة نهاية 2019، كما تحتوي القاعدة على بطاريات باتريوت وعلى نظام "ثاد" المضاد للصواريخ البالستية.
وبلغ عدد الجنود الأمريكيين المتمركزين في السعودية وفق بيانات محدثة حتى 2023 نشرها موقع أكسيوس نحو 2700 جندي. وتقوم القوات الأمريكية في السعودية "بتوفير قدرات الدفاع الجوي والصاروخي، وإسناد تشغيل الطائرات العسكرية الأمريكية، وتعمل بالتنسيق مع الحكومة السعودية" - وفقاً للبيت الأبيض.
ليس من الواضح حجم وأماكن الوجود الأمريكي في الوقت الحالي في السعودية، ومعظم البيانات حول ذلك محدثة حتى نهاية 2022 فقط.
توجهنا بالسؤال إلى القيادة الوسطى الأمريكية بشأن عديد القوات الأمريكية في السعودية، فامتنعت عن الإجابة لأسباب تتعلق "بحماية الأمن العملياتي"، لكن القيادة الوسطى قالت لبي بي سي، إن المهمة التدريبية الأمريكية في السعودية تقوم بتدريب القوات المسلحة السعودية وتقديم المشورة لها ومساندتها في "الدفاع عن مصالح البلدين المشتركة وضمان السلم والاستقرار في الشرق الأوسط".
وبحسب معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فإن التعاون العسكري بين الولايات المتحدة والسعودية يعود إلى عام 1945 ببناء مطار الظهران. وعلى الرغم من أن القوات الأمريكية لم تتمركز بشكل رسمي أو دائم في السعودية، إلا أنها "حافظت على وجود لها في المملكة لعقود من الزمن". خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، استقر جنود أمريكيون في السعودية لدعم مبيعات الأسلحة ومهام التدريب.
وخلال حرب الخليج عام 1991، تم نشر ما يصل إلى 550 ألف جندي في المملكة للمساعدة في إخراج القوات العراقية من الكويت. وفي الفترة ما بين عامي 1991 و2003، "تم نشر ما يقرب من 5000 جندي أمريكي - معظمهم من سلاح الجو - في المملكة لفرض منطقة حظر الطيران الجنوبية فوق العراق" بحسب المعهد.
وسحبت واشنطن قواتها من قاعدة الأمير سلطان الجوية الواقعة إلى الجنوب من العاصمة الرياض في عام 2003، بناء على طلب من السعودية، ونقل الجيش الأمريكي معظم مقدراته إلى قاعدة العُديد الجوية في قطر، وهو ما يعني سحب كامل القوات الأمريكية من السعودية آنذاك، باستثناء تلك المختصة بالمبيعات العسكرية الخارجية والتدريب.
الوجود الأمريكي: كيف بدأ وترسّخ؟
يعود الوجود الأمريكي في بعض دول الخليج إلى عقود بعيدة، لكن هذا الوجود صار أكثر وضوحاً مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية بين الأعوام 1980 و 1988 التي شهدت ما عُرف "بحرب الناقلات"، حين استهدف العراق وإيران ناقلات النفط والسفن التجارية في الخليج في سبيل استنزاف الطرف الآخر اقتصادياً.
خلال الحرب العراقية الإيرانية، موّلت السعودية والكويت ودول مجاورة أخرى العراق في مجهوده الحربي ضد إيران، ودعمته الولايات المتحدة كذلك تكتيكياً، وفق الموسوعة البريطانية.
في عام 1987 تدخلت الولايات المتحدة لحماية ناقلات النفط التي كانت تتعرض لهجمات إيرانية في مياه الخليج.
وأصبح الوجود الأمريكي أكثر تأسيساً وضمن شراكات استراتيجية في أعقاب حرب الخليج المعروفة بـ "عاصفة الصحراء" سنة 1991، حين قادت الولايات المتحدة الأمريكية تحالفاً دولياً لإخراج القوات العراقية التي غزت الكويت، فوقّعت عدة دول خليجية اتفاقيات دفاعية مع واشنطن في الأشهر التي أعقبت الحرب.