تركيا على أعتاب انتقال سياسي يقوده بلال أردوغان
أنقرة-تشهد الساحة السياسية في تركيا تحولات عميقة مع إعادة هيكلة الحكومة الأخيرة التي أقدم عليها الرئيس رجب طيب أردوغان، في خطوة تتجاوز مجرد تغيير وزاري تقليدي لتلامس جوهر الترتيبات المستقبلية لمرحلة ما بعده.
ولا تبدو التعديلات التي طالت وزارتي العدل والداخلية معزولة عن السياق السياسي العام، بل تندرج ضمن مسار متدرج لإعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة، بما يضمن إحكام السيطرة على مفاصل القرار الحساس، خصوصًا تلك المرتبطة بالقضاء والأمن والعملية الانتخابية.
وجاءت إعادة الهيكلة الأخيرة في توقيت حساس، مع تصاعد النقاش الداخلي حول مستقبل القيادة في حزب العدالة والتنمية، واحتمال إجراء انتخابات مبكرة قبل موعدها المقرر في 2028.
وفي هذا المناخ، تبدو الخطوة وكأنها تمهيد لترتيبات أوسع، تتعلق بإعداد المسرح السياسي لانتقال منظم للسلطة داخل الدائرة المقربة من الرئيس، مع بروز اسم بلال أردوغان بوصفه أحد أبرز المرشحين المحتملين لوراثة النفوذ السياسي داخل الحزب والدولة.
وتحمل التغييرات في وزارتي العدل والداخلية دلالات خاصة، نظرًا لما تمثله هاتان المؤسستان من أدوات حاسمة في ضبط المجال السياسي. فوزارة العدل تشرف على بنية القضاء، بما في ذلك التعيينات والترقيات والمساءلة، في حين تتولى وزارة الداخلية إدارة جهاز الشرطة والأمن الداخلي، فضلاً عن دورها المحوري في تنظيم الانتخابات والإشراف على السلطات المحلية.
ويمنح إحكام السيطرة على هذين القطاعين القيادة التنفيذية قدرة كبيرة على توجيه المشهد السياسي، سواء من خلال الإجراءات القانونية أو عبر أدوات الضبط الأمني.
واللافت أن التعيينات الجديدة أثارت جدلاً واسعًا داخل البرلمان التركي، حيث شهدت جلسات مناقشة القرار توترًا حادًا بين نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم ونواب حزب الشعب الجمهوري المعارض.
ويعكس هذا التوتر حجم المخاوف لدى المعارضة من أن تكون التعديلات جزءًا من استراتيجية أوسع لإضعاف خصوم الرئيس سياسيًا وقضائيًا، لا سيما في ظل ملاحقات سابقة طالت شخصيات معارضة بارزة، واعتبرتها المعارضة ذات دوافع سياسية.
وفي خلفية هذا المشهد، يتصاعد حضور بلال أردوغان في الحياة العامة، سواء من خلال نشاطاته الاجتماعية والسياسية أو عبر حضوره المتزايد في الفعاليات الرسمية والحزبية.
ورغم أنه لا يشغل منصبًا حكوميًا رسميًا حتى الآن، فإن مؤشرات عدة توحي بإعداده لدور قيادي أكبر داخل حزب العدالة والتنمية.
وإذا ما تسلم قيادة الحزب في مرحلة لاحقة، فإن امتلاكه شبكة ولاءات داخل مؤسسات الدولة، خصوصًا القضاء والأمن، سيعزز فرصه في تثبيت موقعه على رأس الهرم السياسي.
ولا تعتمد الاستراتيجية التي تبدو قيد التنفيذ فقط على التعيينات، بل أيضًا على إدارة توقيت الاستحقاقات السياسية. فالدعوة إلى انتخابات مبكرة قد تشكل مخاطرة في ظل تراجع شعبية الحزب الحاكم بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية.
ولذلك، قد يفضل أردوغان كسب الوقت، عبر إعادة ترتيب البيت الداخلي، وإضعاف المعارضة تدريجيًا، وتهيئة بيئة سياسية أكثر انضباطًا قبل أي مواجهة انتخابية حاسمة.
وفي المقابل، تراهن المعارضة، وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري، على تعب الشارع من الضغوط الاقتصادية، وعلى اتساع دائرة القلق من تراجع الحريات والمؤسسات الديمقراطية، لتعزيز فرصها في أي استحقاق مقبل. غير أن قدرتها على التحرك قد تتأثر إذا ما توسعت دائرة الملاحقات القضائية أو القيود الإدارية، خصوصًا في البلديات الكبرى التي تسيطر عليها.
ويبقى السؤال المركزي مرتبطًا بمدى قدرة النظام السياسي التركي على الحفاظ على توازن بين متطلبات الاستقرار من جهة، والحفاظ على التعددية السياسية والمؤسسات المستقلة من جهة أخرى. فإعادة تشكيل الحكومة قد تُقدَّم رسميًا باعتبارها خطوة لتعزيز الكفاءة والانسجام داخل الجهاز التنفيذي، لكنها في نظر منتقديها تعكس توجهاً نحو تركيز أكبر للسلطة في يد الرئيس ودائرته الضيقة.
وفي نهاية المطاف، يتوقف مستقبل المشهد التركي على عدة عوامل متداخلة: تطور الوضع الاقتصادي، تماسك المعارضة، موقف القواعد الشعبية لحزب العدالة والتنمية، وتوقيت الانتخابات المقبلة. غير أن المؤكد أن إعادة الهيكلة الأخيرة ليست مجرد تعديل إداري عابر، بل محطة مفصلية في مسار سياسي يبدو أنه يتجه نحو إعادة تعريف شكل انتقال السلطة في تركيا، وسط جدل متصاعد حول حدود الديمقراطية وطبيعة النظام السياسي في السنوات القادمة.
وستتضح ملامح المرحلة المقبلة مع اقتراب الاستحقاقات السياسية، لكن المؤكد أن تركيا تدخل طورًا حساسًا من إعادة تعريف شكل انتقال السلطة، وسط توازن دقيق بين ضرورات الاستقرار السياسي ومطالب الديمقراطية والمساءلة.
وفي هذا التوازن، ستحدد قرارات القيادة الحالية، وردود فعل المعارضة والمجتمع، المسار الذي ستسلكه البلاد في السنوات القادمة.