إمبراطورية الست.. تفكيك خمس مغالطات تاريخية في مسيرة أم كلثوم
ليستأم كلثوم(1898-1975) مجرد مطربة حظيت بلقب "كوكب الشرق"، بل ظاهرة ثقافية وسياسية واجتماعية أثّرت في وجدان العرب لعقود.
ومع رحيلها، لم يتوقف الجدل حول سيرتها، بل تراكمت حولها روايات تتراوح بين الوقائع المؤكدة والأساطير الشعبية.
وفي عصر منصّات التواصل الاجتماعي، ولا سيما على "إنستغرام" و"إكس"، يُعاد سرد سيرتها عبر مقاطع مجتزأة ومعلومات غير دقيقة تُستثمر أحيانًا لأغراض الإثارة.
تحاولهذه المادة تفكيك خمس مغالطات شائعة حول أم كلثوم، بالاستناد إلى مراجع تاريخيّة، وتحليلات طبيّة، وشهادات شهود عيان عاصروا "الست" في ذروة مجدها، مع الإشارة إلى ما ينبغي تدقيقه مرجعيًا عند الحاجة.
1. فخ "الفظاظة المهنية"..هل كانت أم كلثوم "ديكتاتورة"؟
الحقيقة التاريخية،كما يشرحها الكاتب الصحفيمحمود عوضفي كتابه المرجعي (أم كلثوم التي لا يعرفها أحد)،تؤكد أن ما يُسوّق له بوصفه "فظاظة" كان في جوهرهانضباطًا مؤسّسيًا.
غير أن الوجه الآخر الذي يغفله "تويتر" هو روح النكتة وسرعة البديهة التي ميزتها كـ"بنت بلد" أصيلة.
يرويوجدي الحكيمفي شهاداته أن أم كلثوم كانت تستخدم النكتة السياسية والاجتماعية لتلطيف أجواء العمل المرهقة.
ويؤكد الصحفيمحمد التابعيفي مذكراته أن دعاباتها كانت تخترق كبرياء كبار المثقفين. كما يروي التراث الفني اللبناني عن لقاءاتها بالمذيعنجيب حنكشكيف كانت سرعة بديهتها سلاحًا دبلوماسيًا وفكاهيًا في آن واحد.
دعابات "الستّ"
يروي التابعي، الذي لُقّب بـ"أمير الصحافة" وكان من أصدقائها المقربين، أنه زارها يومًا وهو يرتدي طربوشًا جديدًا وأنيقًا جدًا، وكان معروفًا بفرط أناقته واعتزازه بنفسه.
وعندما رأته أم كلثوم أرادت أن تداعب كبرياءه، فنظرت إلى الطربوش وقالت له بسخرية محببة:
"إيه يا محمد، إنت لابس طربوش ولا ده أصيص زرع مقلوب على راسك؟".
ضحك التابعي ومعه الحضور، وكانت هذه طريقتها في كسر رسميات الصالونات الثقافية التي كانت ترتادها، محولةً هيبتها إلى ألفة إنسانية نادرة.4
أما الواقعة التي تُستشهد كثيرًا بها لتجسيد سرعة بديهتها في المحافل العربية، فهي تلك التي جمعتها بالمذيع والفنان اللبناني الساخر نجيب حنكش.
ففي إحدى المناسبات الفنية الكبرى في لبنان، حاول حنكش المعروف بخفة ظله ومشاكساته أن يحرج "كوكب الشرق" أمام الحضور، فقال لها أمام الميكروفون:
"يا ست، أنا في عندي سؤال محيرني.. إنتي ليش دايماً بتغمضي عيونك وإنتي بتغني؟".
لم تتردد أم كلثوم لحظة، ونظرت إليه قائلة بسرعة البرق:
"علشان ما أشوفش خلقتك وإنا بغني!".
انفجر الحضور بالضحك، بما فيهم حنكش نفسه، الذي اعترف لاحقًا بأنه لم يجد ردًا يواجه به هذا الذكاء اللماح، مؤكّدًا أن صرامة أم كلثوم لم تكن إلا غلافًا لروح ريفيةمشبعة بالنكتة الحاضرة.
2. مطربة السلطة..أم سلطة موازية؟
تُتهم أم كلثوم بأنها كانت "مطربة السلطة" التي تلوّنت بصبغة الحكام لضمان بقائها. لكن القراءة المتأنية للتاريخ تشير إلى أنها كانت سلطة موازية: لا تتبع الحاكم بقدر ما تتحالف مع الدولة.
في الحقبة الملكية،مُنحت أم كلثوم "نيشان/وسام الكمال" عام1944، وهو ما ارتبط بلقب "صاحبة العصمة" في ذلك الزمن، من دون أن يعني ذلك تلقائيًا تبعية سياسية للقصر.
وعندما قامتثورة 23 يوليو/ تموز 1952، حاول بعض الضباط الأحرار ذوي النظرة الضيقة منع أغانيها باعتبارها مطربة العهد البائد، إلا أنجمال عبد الناصر، بذكائه السياسي، أدرك أن أم كلثوم هي العامود الفقري للوجدان المصري.
جمعت ملايين الدولارات وقدمتها للجيش المصري، وتحولت من مطربة إلى سفيرة فوق العادة.
وكانت "الست" تتعامل مع الرؤساء والملوك كندّ، ويُذكر أنها في لقاءاتها مع أنور السادات لاحقًا كانت تفرض بروتوكولًا خاصًا بها، ما يؤكد أنها لم تكن يومًا تابعًا لحاكم، بل كانت هي الثابت وهم المتغير.
3. أكذوبة الصراع مع أسمهان..من التنافس إلى الاتهام
لا توجد أدلة موثوقة تربط أم كلثوم بحادث الوفاة، كما أن الواقعة نفسها بقيت موضوعًا لتأويلات متعددة عبر عقود.
ولتفنيد هذه الأكذوبة، يجب العودة إلى مصادر عاصرت الواقعة، وأبرزها الصحافيالتابعي(صديق أسمهان المقرب) في كتابه "أسمهان تروي قصتها"، والباحث الموسيقيكمال النجمي.
ويرى بعض الباحثين أن فرضيات "تدبير" حادث أسمهان ارتبطت تاريخيًا بسياق سياسي وأمني أوسع من منافسة فنية، ما يجعل إقحام اسم "الست" في هذه القضية أقرب إلى الدراما منه إلى التاريخ.
كما أن أم كلثوم، رغم التنافس الفني المشروع، كانت تدرك قيمة أسمهان، وعندما وصلها خبر الوفاة، ساد الحزن منزلها، واعتبرت غيابها خسارة للفن الشرقي.
إن إقحام اسم "الست" في هذه الحكاية هو محاولة درامية لتشويه شخصيتها وتحويل التنافس الإبداعي إلى صراع عصابات.
4. منديل الست..خرافة المخدرات وتفسير أقرب للطب
هذه الرواية لا تستند إلى مصادر موثوقة، كما تتعارض مع صورة أم كلثوم المهنية وانضباطها المعروف.
التفسير الأقرب للواقع تفسير طبي وتكتيكي، مدعوم بشهادات أطبائها، وعلى رأسهم الدكتور زكي سويدان.
طبيًا، يؤدي نشاط الغدة إلى:
-
فرط التعرق: خاصة في كفي اليد، ما يجعل المنديل ضرورة لتجفيف يدها باستمرار حتى لا ينزلق الميكروفون.
-
رعشة الأطراف: كانت يد أم كلثوم ترتجف نتيجة المرض والقلق العصبي ورهبة المسرح التي لم تتركها قط. وكان المنديل وسيلة ذكية لمداراة هذه الرعشة أمام الجمهور والحفاظ على صورتها القوية.
أما فكرة المواد المخدرة فتتنافى مع صرامة أم كلثوم التي كانت تلتزم بنظام غذائي وصحي صارم جدًا، وكانت تعتبر صوتها أمانة مقدسة لا يمكن العبث بها.
5. وهم الفيديو المتداول"ارتجال سيد سالم" بين الصوت والصورة
نختم بأحدث الأضاليل الرقمية: فيديو عازف الناي سيد سالم في أغنية "بعيد عنك".يتبادل الناس المقطع معجبين بضحكة أم كلثوم وقولها "إيه ده" انبهارًا بعزفه.
لكن ما هو متاح من توثيق يشير إلى أن الحفلة التي أقيمت في 2 يونيو/ حزيران 1966 بمسرح سينما قصر النيل لم تُصوَّر تلفزيونيًا أو سينمائيًا، وأن المصدر الأساس للواقعة تسجيل إذاعي.
يبدو الفيديو المنتشر أقرب إلىخديعة بصرية: إذ جرى أخذ الصوت الإذاعي لعام 1966 وتركيبه على لقطات صامتة من حفلات صُوِّرت لاحقًا (مثل "أمل حياتي").
هذا الوهم البصري يثبت أن جمهور أم كلثوم، من شدة تعلقه بها، بات يخترع لها صورًا بصرية ليعوض غياب التوثيق في بعض اللحظات.
إن ضحكة أم كلثوم كانت حقيقية صوتيًا، لكن الكاميرا لم ترصدها يومًا، وما نراه هو مونتاج رقمي يعكس رغبتنا في تخليد تلك اللحظة.
في الختام، يكشف تتبع هذه المغالطات أن أم كلثوم لم تكن مطربة عابرة، بل رمزًا تشكلت حوله سرديات كثيرة.
وما بين التاريخ وما تصنعه المنصات من "قصة جاهزة"، يبقى التحدي هو العودة إلى المصادر قبل إعادة تدوير الأسطورة.